كيف يرى العالم العربي؟ (الجزء 1)
تشكلت رؤية العالم الغربي إلى العربي والمسلم إبان العصور الوسطى، في خضم ظهور الدين الإسلامي والفتوحات العربية الإسلامية للعالم القديم، وهزيمة أكبر إمبراطوريتين في ذلك العالم، وهما الإمبراطورية الفارسية الزرادشتية الديانة، والإمبراطورية البيزنطية (الرومانية) المسيحية الديانة. صحيح أن اليونانيين والرومان والفرس القدماء كانت لديهم صورة هلامية عن العربي قبل ظهور الإسلام، تتراوح بين كونه بدويًا يعيش في الصحراء، أو تاجرًا يحمل البضائع من أطراف الدنيا، إلا أن تلك الصورة أخذت تتضح وتتسع مع ازدياد أهمية الإمبراطورية العربية واتساعها. لكنها كانت صورة سلبية؛ إذ إن العالم الغربي والفارسي الشرقي كره العربي المسلم الذي دمّر الإمبراطورية الفارسية، وأسقط ملك كسرى، واحتل أجزاء مهمة من الإمبراطورية البيزنطية، وما زال يهدد باحتلال عاصمتها القسطنطينية.
أصبحت صورة العربي القوي والغازي هي الصورة التي تكونت عن العربي المسلم لدى الروم والفرس في بداية العصور الوسطى، وأكملت هذه الصورةَ الفتوحاتُ العربية الإسلامية لبقية أجزاء كبيرة من العالم القديم.
إبان ذلك، قامت الحروب الصليبية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، التي أطلق عليها العرب اسم حروب الفرنجة. وكانت هذه الحروب بداية اجتياح عسكري مباشر واحتكاك فعلي على الأرض بين الغرب المسيحي والشرق المسلم؛ فقد ادّعى الغرب أن هذه الحملات الصليبية جاءت لتخليص قبر السيد المسيح في القدس من سيطرة العرب المسلمين، وإعادة هذه الأماكن المقدسة وإخضاعها لسلطة ملوك وأمراء مسيحيين جاؤوا مع الحملات الصليبية طمعًا في الثروة والمجد، لا بدافع ديني أو مسيحي.
عند وصول هذه الحملات إلى الشرق، اكتشف الغرب الحضارة العربية الإسلامية وتفوقها على الحضارة الغربية البائسة في تلك الحقبة من الزمن.
استمرت تغذية هذه الصورة مع انتصارات الإمبراطورية العثمانية، وكرّست صورة المسلم الغازي والهمجي لديهم، إلى أن بدأ ضعف الإمبراطورية العثمانية يبدو جليًا، وبدأت قوة أوروبا تتعاظم، وأصبحت دولها دولًا استعمارية تستطيع استعمار أي بلد في العالم بقوة جيوشها. فلم تعد أوروبا خائفة من الدولة العثمانية، بل أصبحت طامعة في إرثها، تنتظر انهيارها التام لتقوم باقتسام تركة الدولة المريضة. وهذا ما قامت به أثناء الحرب العالمية الأولى؛ إذ تقاسمت إرث هذه الإمبراطورية، ووضعت دولها، بعد تقسيمها، تحت الاستعمار أو الانتداب المباشر.
في هذه الأثناء، كان الاستشراق الأوروبي قد بدأ، وبدأت معه رحلات الغربيين إلى بلاد المشرق بدعوى دراسة هذا الشرق دراسة علمية. لذلك، كتب الرحالة الغربيون عن رحلاتهم وانطباعاتهم عن حياة الشرق دون موضوعية، ومن دون أن يتحرروا من الصورة القديمة التي كوّنوها، والتي ما زالت تتحكم بعقولهم وعواطفهم وخيالهم عن العربي المسلم، إلا في ما ندر، لدى بعض المستشرقين الذين اكتشفوا كنوز الشرق العربي ودرسوا تراثه بعلم وموضوعية.
أتاح المستشرقون للاستعمار الأوروبي معرفة سطحية وخرائط جغرافية استفادت منها القوى الغربية في التعامل مع الشرق المسلم قبل استعماره وغزوه.
مع التبادل العلمي والمعرفي، ودراسة الطلاب العرب في الجامعات الغربية، والتبادل التجاري بين الشرق والغرب، بدأت تتكون لدى الغرب صورة أكثر وضوحًا وواقعية عن العرب والمسلمين، وكذلك لدى الشرق. كما تكونت للعرب والمسلمين صورة عن أوروبا وشعوبها.
انخفضت بقوة النظرة الدينية القائمة لدى الطرفين، لتحل محلها صورة أكثر واقعية ووضوحًا من الصورة السابقة، في رؤية كل طرف للآخر. فالتفوق الغربي في المجالات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية أعمى هذا الطرف، ودفعه إلى النظر إلى العربي المسلم نظرة استعلائية تكاد تكون احتقارية. وظل العربي المسلم، بدوره، يكره الغرب ومركزيته التي تدور حول الأنا الغربية، سواء أكانت هذه الأنا فردية أم قومية أم دينية.
في نهاية القرن العشرين، سيطر عامل مهم وجديد عزز الصورة القديمة للعرب عن الغرب، وزاد من تعقيد المشهد العالمي، وسنعالجه في المقال القادم.
د. جورج الفار












