banner
مقالات مختارة
banner

مواجهة التطرف الفاعلة تبدأ بتمكين مؤسسات المجتمع المتخصصة

{clean_title}
جهينة نيوز -
بقلم : عيسى عبدالرحيم الحياري 

من حمود في الكرك وصولاً إلى حادثة شارع المدينة المنورة ،  تتكرر حوادث العنف وتتباين دوافعها، لكن الاستنكار وحده لا يمنع تكرارها. المطلوب أن ننتقل من التعامل مع نتائج الجريمة إلى فهم الأفكار والظروف التي قد تقود إليها.

فالتطرف ليس حكراً على دين أو عقيدة فحادثة مسجدي كرايست تشيرش في نيوزيلندا قامت على انتقام تاريخي، التطرف قد ينشأ من أفكار دينية أو سياسية أو قومية أو عنصرية أو أيديولوجية تقوم على الإقصاء والكراهية ورفض الآخر. وليس كل صاحب فكر متشدد مشروع عنف؛ فهناك من يحتاج إلى الحوار والمراجعة والاحتواء، وهناك من يخطط للعنف ويستوجب الحزم القانوني والتعامل من الأجهزة المختصة. والخلط بين الحالتين قد يزيد المشكلة تعقيداً.

ولا يمكن تجاهل أثر الفقر والبطالة والنبذ الاجتماعي وانسداد الأفق في صناعة الإحباط، ودفع بعض الأفراد إلى البحث عن انتصار أو انتماء بديل. ويزداد هذا الضغط في ظل حروب المنطقة ومظالمها، وما تخلّفه من غضب وألم قد يستغله البعض لتغذية الكراهية، أو لاستحضار خصومات تاريخية وإسقاطها على الحاضر وتوريث العداوات بين الأجيال. فالتعاطف مع المظلوم واجب إنساني، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى تحريض أو استهداف للآخر.

كما لا يجوز تحميل المناهج الدراسية مسؤولية جاهزة بعد كل حادثة؛ فقد درسنا جميعاً هذه المناهج، ولم تكن بذاتها دعوة إلى الكراهية والعنف. وهذا لا يمنع مراجعتها وتطويرها علمياً وموضوعياً، بعيداً عن ردود الفعل الانفعالية واختزال الظاهرة في سبب واحد.

إن دور الأجهزة أساسي في حماية المجتمع وملاحقة الخطر، وقد أثبتت في كثير من الحالات قدرتها على استباق الأحداث وإحباط المخاطر قبل وقوعها، لكن المواجهة لا تكتمل بهذا الدور وحده؛ فالوصول إلى الإنسان وبناء الثقة والحوار والوقاية الفكرية والاجتماعية يتطلب دوراً فاعلاً لمؤسسات المجتمع المدني المتخصصة، القادرة على التعامل المباشر مع الأفراد والبيئات المحلية، والمساهمة في التأهيل وإعادة الإدماج، وتهيئة بيئة آمنة للمراجعة والحوار، بدلاً من دفع أصحاب الأفكار المتشددة إلى إخفاء قناعاتهم خشية النبذ أو الوصم.

وعليه،  مؤسسات المجتمع المدني ليس مطلوب منها مواجهة التطرف ثم تترك خارج دائرة صناعة القرار. فهي تحتاج الى تمكينها من العمل، وإشراكها في وضع البرامج الوطنية وتنفيذها وفق معايير واضحة وعادلة، بعيداً عن المحاباة والإقصاء، و ضرورة توفير التمويل والتأهيل والأدوات اللازمة لتحقيق رؤاها وأهدافها، و أن يفتح أمامها المجال للتحرك بشكل أكبر مؤسسيا و مجتمعياً . فالتمكين الحقيقي ليس شعاراً، بل شراكة وصلاحيات وموارد وفرص عمل مؤثرة.

ولا تقل مسؤولية الإعلام العام والخاص عن ذلك؛ فالانتقائية في إتاحة المنابر وتغييب المبادرات والأصوات المجتمعية الجادة يحرم المجتمع من مساحة ضرورية للحوار والوقاية. والمطلوب عدالة مهنية في الحضور والتغطية، وإتاحة المجال أمام هذه المؤسسات لطرح أفكارها ومبادراتها؛ فالإعلام شريك في تشكيل الوعي، وليس مجرد ناقل للأحداث.

رسالتي إلى من يهمهم الأمر واضحة: لا تنتظروا من مؤسسات المجتمع المدني إدانة التطرف بعد وقوعه، بل مكّنوها من العمل على منع أسبابه. امنحوها شراكة حقيقية في صناعة القرار، واستقلالية في العمل، ومساحة عادلة في الإعلام، وأدوات تمكّنها من الوصول إلى الناس والتأثير في الوعي. ولا تجعلوا غياب النتائج الفورية مبرراً للانتقاص من قدراتها؛ فبناء الوعي وتغيير القناعات عمل تراكمي لا تظهر نتائجه بين ليلة وضحاها.

لقد آن الأوان للانتقال من الاستنكار الموسمي إلى استراتيجية وطنية مستمرة، تتكامل فيها أدوار الأجهزة ومؤسسات المجتمع المدني؛ فالأجهزة تتعامل مع الخطر حين تظهر مؤشراته، وقد تستبق وقوعه، أما مؤسسات المجتمع المتخصصة فتملك القدرة على العمل في المساحات الأعمق: حيث تتشكل الأفكار، وتتراكم القناعات، وقد تبدأ بذور التطرف في التكوّن. فالتطرف لا يُواجَه عند نهايته فحسب، بل بالوصول إلى بداياته.
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير