2026-09-09 - الأربعاء
banner
مقالات مختارة
banner

التهجير الفلسطيني من قطاع غزة: من الانقسام الداخلي إلى سياسات الإزاحة القسرية

{clean_title}
جهينة نيوز -
بقلم/  ناصر حماد
قطاع غزة 

مقدمة
لم تبدأ قضية تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة مع الحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر 2023، وإنما ترتبط بتاريخ طويل من الصراع على الأرض والديموغرافيا ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني. غير أن الحرب الأخيرة نقلت قضية التهجير من مستوى النقاش السياسي والفكري إلى مستوى الممارسة الميدانية الواسعة، من خلال النزوح المتكرر، وتدمير المساكن والبنية التحتية، وتقييد الوصول إلى الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.
لقد أصبح الإبادة عنوانًا بارزًا رافق الحرب على مدار ثلاث سنوات، وأصبح المواطن الفلسطيني في غزة يواجه خيارًا بالغ القسوة: إما البقاء في مواجهة القتل والإبادة، أو محاولة الهجرة بحثًا عن الأمان والحياة.
وفي المقابل، لا يمكن قراءة مسألة التهجير بمعزل عن الأزمة الفلسطينية الداخلية، ولا سيما الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة منذ عام 2007. فقد تحول الانقسام، بمرور السنوات، من خلاف سياسي بين حركتي فتح وحماس إلى منظومة سياسية وإدارية وأمنية واقتصادية منفصلة، انعكست آثارها على المجتمع الفلسطيني وعلى ثقة قطاعات واسعة من الشباب بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني.
وتتطلب دراسة الهجرة والتهجير من غزة التمييز بين ثلاثة مستويات مترابطة: الأسباب الفلسطينية الداخلية، والسياسات الإسرائيلية، والعوامل الإقليمية والدولية.
أولًا: الانقسام الفلسطيني بوصفه عاملًا ضاغطًا على المجتمع
ألقى الانقسام الفلسطيني بظلال ثقيلة على الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فقد نشأت سلطتان سياسيتان وإداريتان في الضفة الغربية وقطاع غزة، وترافقت حالة الانقسام مع أزمات اقتصادية وإدارية وقانونية، فضلًا عن تراجع قدرة النظام السياسي الفلسطيني على إنتاج رؤية وطنية موحدة.
وقد فشلت، على مدار السنوات، محاولات عديدة للمصالحة، محلية وإقليمية ودولية، في الوصول إلى إنهاء فعلي للانقسام. وفي ظل غياب أفق سياسي واضح، وتراجع فرص العمل، وتدهور الظروف الاقتصادية والاجتماعية لدى المواطن الفلسطيني، أصبحت الهجرة بالنسبة إلى قطاعات من الشباب خيارًا بحثًا عن الأمان والعمل والمستقبل.
وقد شهد قطاع غزة، خلال السنوات السابقة للحرب، موجات هجرة، بما في ذلك محاولات الوصول إلى أوروبا عبر مسارات مختلفة، من بينها تركيا. وهذه الظاهرة لا ينبغي تفسيرها باعتبارها مجرد رغبة فردية في الهجرة، وإنما بوصفها مؤشرًا على أزمة أعمق تتعلق بفقدان الأمل وانسداد الأفق السياسي والاقتصادي، والبحث عن الخلاص الفردي.
ثانيًا: التهجير في الفكر السياسي الإسرائيلي
في الجانب الإسرائيلي، لا يمكن اختزال فكرة نقل الفلسطينيين في موقف سياسي ظهر بعد السابع من أكتوبر. فقد تأسست اسرائيل على هذا الأساس كما كان واضحًا في الخطة دالت، كذلك ظهرت داخل إسرائيل، منذ عقود، تيارات وشخصيات سياسية تبنت صراحة أفكارًا تقوم على نقل الفلسطينيين وطردهم  أو تشجيعهم على مغادرة مناطق وجودهم.
وكان رحبعام زئيفي أحد أبرز الشخصيات التي تبنت مفهوم «الترانسفير»، أو نقل السكان الفلسطينيين، وجعلت هذه الفكرة جزءًا من خطابها السياسي. لذلك، فإن دراسة جذور التهجير تتطلب العودة إلى تاريخ هذه الأفكار، وإلى كيفية انتقالها من أطراف سياسية هامشية في بعض المراحل إلى نقاشات أكثر حضورًا في دوائر صنع القرار والتنفيذ السياسي.
ثالثًا: الانقسام الفلسطيني والانسحاب الإسرائيلي من غزة
شكّل الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005 محطة مفصلية في تاريخ الصراع. ثم جاءت الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006 وصعود حركة حماس، وصولًا إلى الانقسام السياسي والجغرافي عام 2007.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبح قطاع غزة يعيش تحت الحصار وإغلاق المعابر والقيود على حركة الأشخاص والبضائع، بينما استمر الانقسام الفلسطيني الداخلي.
وهنا تظهر إشكالية سياسية شديدة الأهمية: هل أدى الانقسام الفلسطيني، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى إضعاف الموقف الفلسطيني في مواجهة السياسات الإسرائيلية؟
إن الإجابة لا ينبغي أن تكون اتهامية أو تبسيطية؛ فالانقسام له أسبابه الفلسطينية والإقليمية والدولية، لكنه في الوقت نفسه أنتج واقعًا سياسيًا جعل الفلسطينيين أقل قدرة على بناء استراتيجية موحدة في مواجهة الاحتلال.
رابعًا: السابع من أكتوبر وانتقال التهجير إلى مستوى مختلف
يمثل السابع من أكتوبر 2023 نقطة فاصلة بين مرحلتين مختلفتين من حيث طبيعة الحرب والسياسة والنتائج الإنسانية.
فقد تحولت غزة إلى ساحة حرب واسعة، وترافق القصف والعمليات العسكرية مع موجات نزوح داخلية متكررة، وتدمير هائل للمساكن والمنشآت المدنية والبنية التحتية.
ووفق التقييم المشترك الصادر عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي في أبريل 2026، فقد تضررت أو دمرت أكثر من 371 ألف وحدة سكنية، ونزح نحو 1.9 مليون شخص، بينما فقد أكثر من 60% من سكان القطاع مساكنهم. كما قُدّرت الاحتياجات اللازمة للتعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار على مدى عقد.
وتكشف هذه الأرقام أن القضية لم تعد مجرد (نزوح مؤقت)، وإنما أصبحت أزمة ديموغرافية وإنسانية واقتصادية عميقة.
خامسًا: أدوات الدفع نحو النزوح
يمكن قراءة الظروف التي دفعت السكان إلى النزوح من خلال مجموعة من العوامل، أبرزها:
1. التدمير الواسع للمساكن، بما أدى إلى فقدان مئات الآلاف من العائلات أماكن سكنها.
2. تدمير أو تعطيل قطاعات الصحة والتعليم والاقتصاد. وتشير بيانات التقييم الدولي إلى أن أكثر من نصف المستشفيات أصبحت غير عاملة، وأن معظم المدارس تعرضت للدمار أو الضرر.
3. النزوح المتكرر داخل قطاع غزة، حيث اضطر السكان إلى الانتقال من منطقة إلى أخرى مرات عديدة.
4. القيود على المعابر والمساعدات والمواد الأساسية، وما ترتب عليها من ظروف معيشية شديدة القسوة.
5. تدمير البنية التحتية والخدمات الأساسية، بما في ذلك المياه والصرف الصحي والكهرباء والطرق.
6. الضغط النفسي والاجتماعي الناتج عن الحرب المستمرة وفقدان المسكن والعمل والتعليم.
هذه العوامل مجتمعة يمكن أن تجعل السكان أمام معادلة قاسية: البقاء في بيئة مدمرة وغير آمنة، أو محاولة الخروج بحثًا عن حياة أكثر أمنًا.
سادسًا: بين (النزوح) و(التهجير القسري)
هنا تبرز مسألة قانونية وسياسية أساسية.
ليس كل نزوح أثناء الحرب تهجيرًا قسريًا بالمعنى القانوني؛ فالتمييز يعتمد على طبيعة الأفعال والظروف والنية والنتائج. لكن عندما يصبح النزوح نتيجة مباشرة لأفعال عسكرية أو أوامر إخلاء أو تدمير واسع للمساكن ومنع السكان من العودة، فإن السؤال القانوني حول التهجير القسري يصبح أكثر إلحاحًا.
ومن هنا، لا ينبغي أن يقتصر تناول المسألة على الخطاب السياسي، وإنما ينبغي أن تُربط الوقائع الميدانية بالقانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي.
سابعًا: المجتمع الفلسطيني أمام مسؤولية تاريخية
إذا كانت السياسات الإسرائيلية تمثل عاملًا أساسيًا في مأساة غزة، فإن ذلك لا يعفي النظام السياسي الفلسطيني من مسؤولية مراجعة تجربته.
فالمطلوب فلسطينيًا ليس فقط تحميل الاحتلال المسؤولية، وإنما طرح سؤال أكثر صعوبة:
ماذا فعل النظام السياسي الفلسطيني لحماية المجتمع من الانهيار؟
لقد أظهر الانقسام أن استمرار وجود سلطتين ومشروعين سياسيين متوازيين أضعف القدرة على اتخاذ قرارات وطنية موحدة. كما أن غياب التجديد السياسي وغياب الأفق أمام الشباب ساهما في تعميق الإحباط والهجرة.
ومن هنا، فإن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني ليست مسألة انتخابية فقط، وإنما قضية تتصل بالأمن الاجتماعي والاقتصادي والديموغرافي للشعب الفلسطيني.
ثامنًا: غزة بعد الحرب.. هل تصبح الهجرة قدرًا؟
تكمن الخطورة الحقيقية في أن يتحول النزوح المؤقت إلى واقع دائم.
فإذا بقيت غزة مدمرة، وارتفعت البطالة والفقر، وتعطلت المدارس والجامعات والمستشفيات، ولم تبدأ عملية إعادة إعمار حقيقية، فإن قطاعات واسعة من الشباب قد تنظر إلى الهجرة باعتبارها الطريق الوحيد للخلاص.
وهنا تتحول الحرب من عملية عسكرية إلى عامل يعيد تشكيل المجتمع ديموغرافيًا واقتصاديًا، ويهدد بإنتاج واقع جديد تكون فيه الهجرة، لا بوصفها خيارًا حرًا، وإنما بوصفها نتيجة للدمار وانسداد الأفق وغياب شروط الحياة الطبيعية.
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير