banner
مقالات مختارة
banner

6.5 مليون متر مكعب من المياه الفرق ما بين تصريحين في أسبوع واحد

{clean_title}
جهينة نيوز -
6.5 مليون متر مكعب من المياه الفرق ما بين تصريحين في أسبوع واحد
البرفسور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية
في إدارة مؤسسات الدول قاعدة بسيطة: الرقم الحكومي حين يُعلن ليس وجهة نظر،  وليس عشوائياً، بل يجب أن يكون واحدًا وواضحًا وقابلًا للتحقق، لأن القرار العام لا يُبنى على الانطباع بل على بيانات دقيقة ومنهجية معلنة. ومن هنا تبرز أهمية توحيد الأرقام، خصوصًا في قطاع استراتيجي كالمياه. وملف الفاقد المائي في الأردن اليوم يقدّم أوضح مثال على هذه الحاجة.
وهذا الكلام لا يقلل بأي حال من جهد وزارة المياه والري في مواجهة واحدة من أصعب أزماتنا؛ فخفض الفاقد هدف وطني استراتيجي، وما أُعلن من مشاريع لاستبدال الشبكات والعدادات، وضبط الاعتداءات، وإعادة تنظيم مناطق التوزيع، وإدارة الضغوط، والرقمنة، وتحسين القراءة والفوترة، جهود كبيرة تستحق التقدير. لكن النجاح في ملف بهذه الحساسية، يجب ان تكون ارقامه صلبة وموحدة، ويبدأ من سؤال بسيط قبل أي شيء آخر: كم تبلغ نسبة الفاقد المائي بالضبط، وما هو خط الاساس؟
وهنا تبدأ المفارقة. فالاستراتيجية الوطنية للمياه 2023–2040 تضع 52% خط أساس للفاقد المائي (صفحة 31)، وتحدد هدف الوصول به إلى 25% بحلول 2040، وهو رقم خط اساس يُفترض أن تنطلق منه كل التصريحات. لكن ما إن ننتقل من الوثيقة الاستراتيجية إلى التصريحات الرسمية المتتابعة، حتى تبدأ الأرقام في التحرك بطريقة تحتاج إلى تفسير أوضح.
ففي 22/11/2025 أعلنت الوزارة أن الفاقد في الربع الثالث من 2025 بلغ 40.9%، مقابل 45.3% في الربع الثالث من 2024، بانخفاض 4.4 نقطة، مؤكدة خفضًا سنويًا بنحو نقطتين من نسبة الفاقد الباغة 52.5%. ثم جاء تصريح 8/12/2025 ليكرر رقم 40.9%، لكنه قارنه هذه المرة بـ45.3% "في نهاية عام 2024" لا بالربع الثالث منه. وقبل ذلك بعام، في 22/8/2024، تحدث وزير المياه على شاشة التلفزيون الأردني (برنامج مسارات) عن نسبة فاقد 47%، منخفضة 7 نقاط خلال ثلاث سنوات، أي أن خط الأساس، بحسب تصريح الوزير، كان 54%، مؤكدًا أن كل 1% يعادل 5 ملايين م³. ثم في 18/8/2026 قال الناطق باسم الوزارة إن الفاقد انخفض إلى 42.3% مقارنة بـ54% قبل ثلاثة أعوام، أي أنه أكد نسبة خط الأساس نفسها التي ذكرها الوزير قبل عام من ذلك التاريخ (توافق على خط الاساس 54% بين التصريحين). لكن المدهش أنه بعد أقل من أسبوع، وتحديدًا في 24/8/2026، أعلن الوزير أن الفاقد بلغ 41%، بانخفاض تراكمي 10.7 نقطة منذ عام 2022، ما يعني أن خط الأساس في هذا التصريح كان 51.7%، لا 52.5% ولا 54%، ولا حتى 52% الموثق في الاستراتيجية، وفي ذات الوقت اغفل التصريح الصادر في 22/11/2025 بأن الفاقد في الربع الثالث من 2025 بلغ 40.9%، بانخفاض 4.4 نقطة مقارنة مع ذات الفترة لعام 2024، وكذلك تصريح بتاريخ 8/12/2025.
فخط الأساس وحده في التصريحات الرسمية تغير اكثر من مره، فتارة 52.5% واخرى 54%، واخيراً رقم 51.7%، بينما المعتمد في الاستراتيجية هو 52%، والغريب ان الرقم الأحدث لنسبة الفاقد تغير خلال أسبوع واحد فقط بين 42.3% حسب الناطق الرسمي بتاريخ 18/8/2026 و41% حسب الوزير بتاريخ 24/8/2026. وهذا الفرق ليس تفصيلًا إحصائيًا يمكن تجاوزه: فحسب معيار الوزارة ان كل 1% = 5 ملايين م³، فإن هذا الفرق بين التصريحين وحده يعادل 6.5 مليون م³، وهو رقم يقارب حصة محافظة عجلون المائية (6.8 مليون م³ لعام 2024). ولو طبّقنا المعيار نفسه على بقية الأرقام يتضح حجم الاختلاف: فالانتقال من 54% إلى 42.3% يعني انخفاضًا قدره 11.7 نقطة (نحو 58.5 مليون م³)، بينما الانتقال من 54% إلى 41% يعني 13 نقطة (نحو 65 مليون م³)؛ وإذا اعتمدنا الانخفاض التراكمي المعلن (10.7 نقطة منذ 2022) وصولًا إلى 41%، فإن خط الأساس كان 51.7% فقط، بفارق مقداره 53.5 مليون م³؛ وإذا اعتمدنا خط الأساس كما ورد في الاستراتيجية الوطنية (52%)، فإن الانخفاض إلى 41% يبلغ 11 نقطة (نحو 55 مليون م³). أربع طرق حساب، أربع نتائج مختلفة، لمؤشر واحد يُفترض أن يكون رقمًا وطنيًا موحّدًا.
وقد تكون هناك إجابات فنية دقيقة لكل هذه الارقام وقد تكون الأرقام كلها صحيحة إذا كانت تقوم على مؤشرات مختلفة، لكن المشكلة أن المواطن لا يستطيع معرفة ذلك من النسب المنشورة بصورتها الحالية، وهنا تحديدًا تبدأ الحاجة إلى توحيد الرقم وتعريفه، لا أن يُترك المواطن يبحث عن تفسيره بنفسه، وندخل مرحلة فوضى التفسير والتشكيك.
وحين ننقل هذه الفروق من لغة النسب إلى لغة الماء الفعلي، يتضح حجم القضية: فمن أصل المياه المنزلية البالغة اليوم 567 مليون م³ حسب آخر بيانات الوزارة، تعني نسبة 41% فاقدًا قدره 232.47 مليون م³، بينما تعني نسبة 42.3% فاقدًا قدره 239.84 مليون م³، بفارق يبلغ 7.37 مليون م³، وهي كمية تفوق ما يُضخ لمحافظة كاملة كعجلون، وتقترب من حصص محافظات مثل الطفيلة (8.6 مليون م³) وجرش (8.8 مليون م³) حسب بيانات الوزارة لعام 2024. وحتى الهدف الاستراتيجي البعيد، وهو الوصول إلى 25% بحلول 2040، يعادل بالمعيار نفسه نحو 125 مليون م³، أي ما يعادل 41.6% من كميات المياه المتوقعة من مشروع الناقل الوطني، وما يقارب 337.5 مليون دولار وفق السعر التأشيري للمتر المكعب من مياه الناقل الوطني الذي أعلنته الوزارة بتاريخ 21/4/2026.
والسؤال هنا: إذا كانت هذه الكميات الضخمة تُستعاد فعلًا من الشبكة، فمن حق المواطن أن يسأل: أين أثرها في الإيرادات والحسابات الرسمية؟ خصوصًا أن الحكومة قررت رفع تعرفة المياه بنسبة 4.6% سنويًا منذ 1/1/2024 ولمدة خمس سنوات، بموجب قرار مجلس الوزراء لعام 2023 كما أوضح وزير المياه السابق، أي أنها ارتفعت فعليًا 13.8% حتى الآن، وستبلغ 23% مطلع 2028. فالمواطن الذي يتحمل فاتورة متصاعدة يستحق أن يرى الأثر مقرونًا بالكلفة في جدول واحد يربط بين النسبة والمتر المكعب والإيراد.
وهذا يقودنا إلى جوهر المسألة: خفض الفاقد يقع في صلب السياسة المائية، ويجب أن يُعامل باعتباره أحد أكبر مصادر المياه الجديدة في الأردن، لا كبند فني في نشرة إحصائية. فالماء الذي نوفره من الشبكة هو، من منظور الأمن المائي، ماء جديد أضفناه إلى النظام من دون حفر بئر جديد، أو بناء سد جديد، أو تحلية متر مكعب إضافي. ومن هنا تتجاوز المسألة الشفافية الإحصائية لتلامس صميم الأمن الوطني، وهو ما نبّه إليه جلالة الملك في أكثر من مناسبة، باعتبار الأمن المائي قضية وجود لا قضية إدارة موارد فحسب. فالأردن من أفقر دول العالم بحصة الفرد من المياه، ويقع في منطقة تتقاسم فيها دول الجوار موارد محدودة أصلًا وتتأثر بالتغير المناخي. وفي هذا السياق، كل متر مكعب يُستعاد من الشبكة هو، جيوسياسيًا، مصدر مياه جديد لا يحتاج إلى تفاوض على حصة من الحصص. فخفض الفاقد بهذا المعنى ليس بندًا فنيًا فقط، بل ركيزة من ركائز السيادة المائية، لأنه يقلل اعتماد المملكة على مصادر مياه خارجية وعلى مشاريع قد تحتاج تمويلًا بمئات الملايين أو مليارات الدولارات؛ والشركاء الدوليون الذين يقدمون هذا التمويل يطلبون أولًا ما يثبت أن مؤسسات الدولة تدير مصادرها القائمة بأعلى كفاءة، والأردن قادر فعلًا على ذلك، فهو دولة تُحسن إدارة الندرة، لكن الأرقام المتذبذبة تُضعف ثقة المواطنين بالرقم.
نحن نقر بان خفض الفاقد المائي بهذه النسبة خطوة ايجابية تشكر عليها الحكومة ممثلة برئيسها، لكن في ذات الوقت فان الثقة بالرقم الموحد، ليست مسألة معنوية بحتة: فالعلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ومنها في ملف المياه عقد ثقة مزدوج؛ المواطن يدفع تعرفة متصاعدة والحكومة تعده بكفاءة أعلى. وحين لا تتناغم الأرقام في التصريحات الرسمية، يبدأ هذا العقد بالتآكل، ويتحول النقاش العام من "كيف نوفر الماء" إلى "بأي رقم نثق"، وهي كلفة اجتماعية وسياسية لا تقل خطورة عن الكلفة الاقتصادية للفاقد نفسه؛ فالثقة العامة، مثل الماء تمامًا، مورد لا يُستعاض عنه بسهولة إذا استُنزف.
ولذلك فإن الرسالة ليست إلى وزارة بعينها، بل إلى الجميع: ثمة ضرورة لتوحيد الأرقام، وأن تكون هناك مرجعية رسمية رقمية واحدة لكل مؤشر. وإذا تغيرت طريقة القياس فليُقل لماذا تغيرت؛ وإذا كان الرقم ربع سنوي فليُكتب ذلك، وإذا كان تراكميًا فليُوثق، وإذا كان متوسطًا وطنيًا فليُبيَّن، وإذا كان هناك رقم أولي ثم رقم معدّل بعد التدقيق فليكن ذلك معلنًا. فلا يُترك المواطن أمام أرقام متجاورة في النسب المئوية وكبيرة في الحجم الفعلي للمياه، ويُطلب منه أن يستنتج العلاقة بينها بنفسه، فالنسب لا تُشرب، ولا تُضخ بالشبكات، ولا تملأ الخزانات.
فالمواطن يستخدم الماء، والدولة تدفع كلفة إنتاجه وضخه ومعالجته ونقله. ولهذا فإن السؤال الحقيقي في نهاية المطاف ليس فقط: كم أصبحت نسبة الفاقد؟ بل: كم مليون متر مكعب فقدنا؟ وكم استعدنا؟ وكم كلّفنا استعادته؟ وكم دخل من إيرادات؟ وكم بقي مهدورًا؟ فهذه هي الأرقام التي تصنع القرار، لا النسبة المجردة وحدها، إذ قد يخفي الحديث عن النسب وحدها حجم الإنجاز كما قد يخفي حجم المشكلة؛ أما حين تتحول كل نقطة مئوية إلى 5 ملايين متر مكعب (كما حددته الوزارة)، فإن الرقم يصبح ماءً يمكن أن نراه ونحسبه ونقيس أثره.
والمطلوب هنا ليس رقمًا جديدًا، بل ربط الأرقام الموجودة أصلًا في جدول رسمي واحد يمتد من نسبة الفاقد عام 2022 حتى آخر قراءة في 2026، يبيّن لكل سنة: كم كانت كمية المياه المفقودة عند خط الأساس؟ وكم أصبحت اليوم؟ وكم كلفة خفض كل نقطة مئوية؟ وكم مترًا مكعبًا تم توفيره فعلًا؟ وكم منه جاء من ضبط الاعتداءات والسرقات؟ وكم من إصلاح الشبكات؟ وكم من تحسين العدادات والفوترة؟ وكم هو الفاقد الفني؟ وكم هو الفاقد التجاري؟ وحين تجيب الوزارة عن هذه الأسئلة في جدول واحد، وبمنهجية واحدة، وبسلسلة زمنية واحدة، سنعرف حجم الإنجاز الحقيقي، وسنعرف أيضًا حجم الفرصة التي ما زالت تضيع من بين أيدينا.
الأردن يحتاج إلى رقم واحد مؤثق، يظهر الانجاز الذي تحققه الحكومة خطوة بخطوة. فالشفافية ليست أن يُعطى المواطن رقمًا، بل أن يُعطى الرقم مع تعريفه وسنة أساسه وفترة قياسه وطريقة احتسابه. وفي دولة لا توجد فيها قطرة ماء زائدة عن الحاجة، لا ينبغي أن يبقى جزء من النقطة المئوية الواحدة، يمتلكه الغموض؛ فالرقم الموحّد لا يحمي القرار المائي الوطني بأبعاده كافة: الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.

تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير