حين يصبح كل مشجع مراسلاً.. من ينظم المحتوى داخل الملاعب الأردنية؟
المحتوى الرياضي بين المدرجات
الأنباط – ميناس بني ياسين
في الوقت الذي تتجه فيه الرياضة الأردنية إلى مرحلة جديدة تبحث فيها عن الاستثمار والتسويق وتحويل البطولات والأندية والجماهير إلى مكونات حقيقية في صناعة رياضية قابلة للنمو، تبرز في المقابل ظاهرة رقمية تتسع من مباراة إلى أخرى، وتطرح سؤالًا لم يعد من الممكن تأجيله: من ينظم المحتوى الذي يُنتج من داخل المشهد الجماهيري للمباريات؟
المشهد بات مألوفًا؛ شخص يحمل هاتفًا وكاميرا بسيطة أو مايكروفونًا، يدخل إلى محيط الملعب أو يقف بين الجماهير، يبدأ بإجراء مقابلات مع المشجعين قبل المباراة أو خلالها أو بعدها، ثم ينشرها عبر حساب شخصي أو صفحة تحمل اسمًا إخباريًا أو رياضيًا، لتصل خلال ساعات إلى آلاف المتابعين وفي بعض الحالات، لا يكون صاحب المحتوى تابعًا لمؤسسة إعلامية، ولا يحمل صفة صحفية، ولا يظهر بصفته مندوبًا لوسيلة إعلام معتمدة.
المسألة لا تتعلق بعدد المتابعين ولا بوصف هؤلاء الأشخاص بـ"المؤثرين"، ولا بمحاولة إقصاء صناعة المحتوى الرقمي من المشهد الرياضي؛ فالسؤال أعمق من ذلك: أين تنتهي حرية المشجع في صناعة محتواه الشخصي، وأين تبدأ الحاجة إلى تنظيم نشاط إعلامي يمارس بصورة منتظمة داخل منشأة رياضية وأمام جمهور واسع؟
وتزامن هذا النقاش مع مباراتي نصف نهائي كأس السوبر الأردني بين الوحدات والفيصلي، ثم الحسين إربد والرمثا، واللتين شهدتا حضورًا جماهيريًا كبيرًا، وانتهت الأولى بفوز الفيصلي 2-1، فيما تأهل الحسين إربد إلى النهائي بعد فوزه على الرمثا 5-0.
وبحسب شكاوى قُدمت إلى أكثر من جهة معنية، بينها الاتحاد الأردني لكرة القدم وهيئة الإعلام ومديرية الأمن العام، أثيرت مسألة قيام أشخاص بإجراء مقابلات وتصوير محتوى من بين الجماهير ومحيط الملاعب دون أن يكونوا تابعين، وفق ما ورد في الشكاوى، لمؤسسات إعلامية مرخصة أو حاصلين على صفة إعلامية، إلى جانب ما تضمنه بعض المحتوى المتداول من عبارات ومضامين قد تسهم في إثارة التعصب الرياضي أو الإساءة أو خلق حالة من الاستفزاز بين الجماهير.
ولا تقف القضية عند حدود من يحمل المايك ومن لا يحمله، وإنما تمتد إلى سؤال أكبر يتعلق بإدارة المشهد الإعلامي والجماهيري داخل الملاعب الأردنية في زمن أصبحت فيه كل مباراة منتجًا رقميًا متعدد المنصات.
منظومة إعلامية موجودة.. لكن ماذا عن المساحة بين الجمهور والإعلام؟
الاتحاد الأردني لكرة القدم لا يتعامل مع التغطية الإعلامية باعتبارها مساحة مفتوحة بلا تنظيم؛ فقد أعلن في تموز الماضي فتح باب استقبال طلبات الحصول على بطاقات اعتماد الإعلاميين لتغطية بطولات موسم 2026/2027، وحدد المؤسسات التي تتقدم بطلبات الاعتماد، ومنها الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية والإذاعية والأندية.
وإن تعليمات الاتحاد المنشورة منذ سنوات تتضمن تنظيمًا واضحًا للمقابلات داخل الملعب، إذ تشدد على إجراء المقابلات في المناطق المحددة، وتحظر إجراء المقابلات لمن لا يحمل بطاقة اعتماد تخوله التواجد في المنطقة المعنية، كما تحدد دور المنسق الإعلامي في تنظيم المقابلات والتنسيق مع وسائل الإعلام.
وهنا تظهر المفارقة التي تستحق التوقف عندها: هناك نظام واضح للإعلاميين الذين يدخلون بصفة إعلامية، لكن ماذا عن الشخص الذي لا يدخل بصفته إعلاميًا أصلًا، وإنما يدخل بتذكرة مشجع ثم يمارس من بين الجماهير نشاطًا يقوم على إجراء مقابلات منتظمة وتصويرها ونشرها؟
المشجع ليس صحفيًا..هل يتحول إلى منتج إعلامي بمجرد حمل المايك؟
التشريعات الأردنية تميز بوضوح بين المواطن والصحفي؛ فقانون المطبوعات والنشر يعرف الصحفي بأنه عضو النقابة المسجل في سجلها واتخذ الصحافة مهنة له وفق أحكام قانونها، وتنص المادة 10 على أنه لا يجوز لغير الصحفي ممارسة مهنة الصحافة بأي شكل من أشكالها، بما في ذلك مراسلة المطبوعات الدورية ووسائل الإعلام الخارجية أو تقديم نفسه على أنه صحفي. كما يشترط القانون في مراسل المطبوعات الدورية ووسائل الإعلام الخارجية أن يكون صحفيًا وفق الشروط المحددة.
لكن هذه النصوص لا تعني، في المقابل، أن كل شخص يصور فيديو أو يدير صفحة شخصية أصبح تلقائيًا صحفيًا أو مخالفًا للقانون.
وفي نيسان 2026 صدر نظام تنظيم الإعلام الرقمي رقم 13 لسنة 2026، الذي أوكل إلى هيئة الإعلام مهمة تنظيم أنشطة الإعلام الرقمي ومتابعة المحتوى الإعلامي الرقمي على شبكة الإنترنت ويعتبر النظام النشاط الإعلامي الرقمي احترافيًا عندما يمارس بصفة مهنية أو يشكل مصدرًا للدخل أو يترتب عليه عائد مادي، إضافة إلى ممارسته بصورة مستمرة ومنتظمة، كما حدد حالات يخضع فيها النشاط للترخيص.
وفي توضيح سابق لمدير عام هيئة الإعلام، أكدت الهيئة أن الحساب أو الصفحة الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي غير ملزمة بالترخيص، في حين أن الصفحات والمنصات التي ينطبق عليها وصف النشاط الإعلامي الاحترافي تستوجب استكمال المتطلبات القانونية.
وبالتالي، فإن القضية ليست: "هل يحق للمواطن أن يفتح كاميرا؟"، بل: هل يحق له، بصفته مشجعًا عاديًا، أن يحول وجوده بين الجماهير إلى نشاط مقابلات منظم ومتكرر داخل الملعب، دون وجود قواعد خاصة تنظم هذا النشاط؟
المشكلة ليست في الهاتف.. بل في المحتوى الذي يخرج منه
والجانب الآخر من القضية يتعلق بالصورة التي تقدمها الرياضة الأردنية عن نفسها؛ فالمحتوى الرياضي اليوم لم يعد مجرد مادة ترفيهية؛ إنه جزء من عملية التسويق للبطولات والأندية والجماهير، ومن صورة الرياضة التي تصل إلى الجمهور المحلي والخارجي.
وفي الوقت الذي تستثمر فيه الدول والاتحادات الرياضية الكبرى في صناعة المحتوى الرقمي، وتتعامل مع الجمهور باعتباره جزءًا من المنتج الرياضي، تصبح جودة المحتوى جزءًا من قيمة هذا المنتج.
فالمقابلة الجماهيرية التي تبدأ بسؤال بسيط قد تنتهي بمقطع يتضمن إساءة أو شتيمة أو تحريضًا أو استفزازًا لجمهور منافس، ثم ينتشر عبر المنصات خلال دقائق.
وقد يكون المشجع في لحظة انفعال بعد خسارة فريقه، أو قد يظهر طفل في الخلفية، أو تظهر أسرة لا ترغب في أن تتحول لحظتها في المدرجات إلى مادة عامة، أو يجري اقتطاع إجابة من سياقها بهدف رفع المشاهدات.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بالمهنية الإعلامية، بل بحقوق الجمهور أيضًا.
قانون حماية البيانات الشخصية رقم 24 لسنة 2023 وضع إطارًا قانونيًا لحماية البيانات الشخصية، وتؤكد وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة ضمن إجراءات الامتثال للقانون أهمية الحصول على الموافقة المسبقة قبل عمليات معالجة البيانات الشخصية، إلى جانب وجود حقوق للشخص المعني وشكاوى تتعلق بمعالجة بياناتهولا يعني ذلك أن كل صورة للجمهور في المدرجات تحتاج بالضرورة إلى موافقة فردية.
عندما يصبح الملعب مصنعًا للمحتوى
الرياضة الأردنية تقف اليوم أمام فرصة أكبر من مجرد إقامة المباريات.
الجمهور نفسه أصبح اقتصاديًا، والمحتوى أصبح تسويقيًا، والمباراة أصبحت مادة تمتد قبل صافرة البداية وبعدها لكن الصناعة الرياضية تحتاج إلى قواعد.
فلا يمكن أن تكون هناك منظومة اعتماد للإعلاميين، ومنسقون إعلاميون، ومراقبو مباريات، وتنظيم للمناطق الإعلامية، وفي الوقت نفسه تبقى المنطقة الجماهيرية مفتوحة أمام ممارسة نشاط إعلامي غير محدد الصفة أو المسؤولية حسب آراء خبراء رياضيون.
ولا يعني ذلك إغلاق المدرجات أمام صناعة المحتوى أو منع الجمهور من التصوير؛ فذلك يتعارض مع طبيعة العصر الرقمي، كما أن الحسابات الشخصية ليست جميعها خاضعة للترخيص وفق توضيح هيئة الإعلام.
لكن الحل قد يكون في إيجاد فئة تنظيمية واضحة لصناعة المحتوى الرياضي داخل الملاعب، أو تحديد مناطق وأوقات وضوابط تسمح لصناع المحتوى بممارسة نشاطهم دون التأثير على حركة الجماهير أو عمل الإعلاميين أو الأمن، مع وضع قواعد تتعلق بالتصوير، والمقابلات، وحماية الأطفال، والمواد المسيئة، والتحريض على التعصب والعنصرية، واستخدام أسماء توحي بصفة إعلامية أو مؤسسية غير موجودة قانونًا.
من المسؤول عن وضع الحدود؟
القضية بطبيعتها لا تخص جهة واحدة.
الاتحاد الأردني لكرة القدم يملك منظومة تنظيم البطولات والاعتماد الإعلامي وإدارة المناطق الخاصة بالمباريات، بينما تضطلع الجهات الأمنية بمسؤوليات الأمن والسلامة وتنظيم حركة الجمهور، وتملك هيئة الإعلام الاختصاص في تنظيم أنشطة الإعلام الرقمي الاحترافي، فيما تمثل نقابة الصحفيين المرجعية المهنية للصحفيين وحماية ممارسة المهنة ضمن إطارها القانوني.
ومن هنا، فإن التعامل مع الظاهرة لا يحتاج بالضرورة إلى قرار يمنع الجمهور من صناعة المحتوى، بقدر ما يحتاج إلى تنسيق تشريعي وتنظيمي يحدد أين يبدأ وينتهي كل دور.
هل يمكن لصانع محتوى مستقل الحصول على تصريح خاص لتغطية المباريات؟ هل يمكن تخصيص منطقة لمقابلات الجمهور؟ هل يمنع استخدام تسمية "وكالة" أو "موقع إخباري" عندما لا توجد جهة قانونية مرخصة تحمل هذا الاسم؟ ومن يتدخل إذا تحول المحتوى من مقابلة جماهيرية إلى استفزاز أو تحريض أو إساءة؟
هذه ليست أسئلة لتقييد الفضاء الرقمي، وإنما أسئلة ضرورية إذا كانت الرياضة الأردنية تريد الانتقال فعلًا من مفهوم المباراة إلى مفهوم الصناعة الرياضية.
الشكاوى تفتح الباب.. والتنظيم هو الحل
الشكاوى التي قُدمت إلى جهات معنية، وفق ما ورد فيها، لا ينبغي أن تكون نهاية القضية ولا أن تتحول إلى مواجهة بين الصحفيين وصناع المحتوى؛ بل يمكن أن تكون نقطة بداية لنقاش أوسع حول مستقبل المحتوى الرياضي الأردني.
فالمشهد يتغير بسرعة والجمهور الذي كان متلقيًا للحدث أصبح منتجًا له، والكاميرا التي كانت حكرًا على المؤسسات أصبحت في يد الجميع.
ومع توجه الرياضة الأردنية نحو الاستثمار والتسويق والرعاية وصناعة القيمة الاقتصادية من البطولات والجماهير، فإن تنظيم المحتوى المحيط بالمباريات لم يعد تفصيلًا ثانويًا؛ بل أصبح جزءًا من إدارة المنتج الرياضي نفسه.
المطلوب حسبما أوضح خبراء في الوسط الرياضي؛ ليس إغلاق المدرجات أمام الجمهور، ولا مصادرة حق أي شخص في صناعة محتوى شخصي، وإنما بناء إطار واضح يجيب عن سؤال بسيط: من يحق له أن يمارس المقابلات داخل المدرجات، وبأي صفة، وتحت أي قواعد، ومن يتحمل المسؤولية عندما يتحول هذا المحتوى إلى مادة مسيئة أو محرضة أو تسيء إلى صورة الرياضة الأردنية؟
والملعب الذي يُدار بمنظومة دقيقة في الأمن، والتحكيم، والتذاكر، والبث، والاعتماد الإعلامي، يحتاج إلى منظومة واضحة للمحتوى الذي يخرج منه.












