2026-08-11 - الثلاثاء
banner
فن و مشاهير
banner

رواية «شيركيسيا» – الجزء الثالث – للكاتبة نرين طلعت

{clean_title}
جهينة نيوز -

قراءة سليم النجار - تُعدّ رواية «شيركيسيا» من الروايات الصوتية ذات الأبعاد والمدلولات الخاصة، التي تعتمد على حكائية صوت الشخصية التي تمثل الشعب الشركسي: «في كلّ القرى الشركسية هناك مشهد لطيف ومألوف للغاية، وكأنه أشبه باستعراض عفوي يبدأ بعد أن تخف وطأة شمس العصر» (ص 7).

إن تعدد الرواة في معمارها الفني، وهي تتحدث بلغة الراوي المخاطَب، يثير نوعًا من الجدل يأخذ بناصية الحديث، ويجعله يتنامى ويتصاعد من خلال موقف الشخصية شيئًا فشيئًا، والذي يطرح خيوطه الأولى بحذر شديد، مما يجعل المتلقي يشارك معه في الإمساك بخيوط الحدث: «وسمن: نعم، سمعت من قبل أن الجد مشوروقة جانبي كان من الباحثين عن الكتاب؛ لكني لم أعرف يومًا حقيقة أولئك الأشخاص الذين يلقبهم الشركس بلقب (الباحثون عن الكتاب)» (ص 29).

إن متابعة الحدث ودقائقه، ومحاولة معايشته والتفاعل معه، من خلال ممارسة الشخصية لطبيعتها على خريطة الواقع، تعتبر صياغة الشخصية في مثل هذا النوع من الكتابة الروائية المحك الأساسي في نجاح العمل، وفي إبراز الدال والمدلول: «داريال: أنتِ تتفلسفين ولا تفهمين ماذا تقولين. فتاة مثلك لا تجارب ولا خبرات لديها في هذه الحياة، لا تدرك جيدًا الأمور، لكنك تتشاطرين بالكلام فحسب» (ص 87).

هذا ما سعت إليه نرين طلعت في روايتها «شيركيسيا»؛ الجزء الثالث، إذ اتكأت على بناء معمار للرواية، فليست هناك شخصية محورية بعينها تستأثر بمجريات الحدث، وتتوالى عملية الصياغة الروائية من خلال همومها وطموحاتها وصراعها مع الشخصيات الأخرى المحيطة بها، والمشتركة معها في نسيج الرواية: «إنّ النساء يجعلن للحياة معنى، لأنهن يتجمعن مع بعضهن، ويرتبن علاقات تربط العائلات ببعض، أما الرجال فهم وحيدون، متفرقون، متنافسون، متصارعون» (ص 110).

كما أن هناك عدة شخصيات، لكل منها أبعاد نفسية لها خصوصيتها، ولكل منها تركيبتها التي تختلف عن الأخرى، ولكل منها طبيعة تستند إليها في جميع ممارساتها الحياتية، وهذه الشخصيات جميعها تشترك في إثراء الحدث الرئيسي: «قامت على هذه الأرض قبل أزمان وأزمان مملكة قوية مزدهرة، كان اسمها مملكة آشويا. حكمت تلك المملكة عائلة أتشيا العريقة المقدسة، أعرق عائلة شركسية عبر التاريخ» (ص 123).

وقد استخدمت نرين طلعت في مثل هذا النوع من القص مستويات مختلفة للأحداث في السرد والحوار: «شوجن: هذه الأحداث هددت وجود أمتنا، ودفعت الحكماء بالبدء في بناء كتاب يحكي عنهم ويحفظ قيمهم، كي لا تضيع القيم الإنسانية وتلك التجارب التي خاضها أسلافنا» (ص 134).

كما كانت الشخصيات تتحرك في نسيج الرواية على شكلين: إما سلبي، أو إيجابي، وفي كلا الحالتين كان التاريخ شاهدًا على هذا الحدث الكبير، الذي وصفته الروائية في أكثر من موقع بأنه ضياع، لكنها في الوقت نفسه كانت راصدة للأحداث: «فقد كان للحروب والفوضى القسط الأكبر في تاريخنا» (ص 137).

كما أن البيئة في الرواية تشي بأننا أمام مشهد سينمائي؛ يشاهد المتلقي فترة زمنية بعينها، بما فيها من دمار وأحداث. وإن ازدحام الأحداث في هذه المشاهد السينمائية الممتلئة بالصور الكارثية وصور الخراب، يوحي بأننا أمام كارثة إنسانية: «ثم هاجمت شيركيسيا قبائل التورغوت (أجداد القالموق)، وهم من جنس الترك والتتار، منذ القرن الحادي عشر الميلادي، وهذه الحروب استمرت بين الطرفين عقودًا. دُمّرت خلالها البلدات، وأُحرقت المدن، ولم تُبقِ على شيء» (ص 144).

تنقسم الأصوات الروائية في رواية «شيركيسيا» إلى ثلاثة أصوات رئيسة، هي: «الحدث»، والتاريخ، والفصول التي تأتي كمرآة لوصف حال شعب الشركس. وهذا الوصف يشكل علاقة متواترة مع الفصل الذي بدا كأنه نذير شيء قادم: «مضى فصل الصيف طويلًا جافًا، وجاء الخريف لامباليًا صامتًا، ومضى الخريف وبدأ الشتاء، ولم يكن يشبه الشتاء، فالهواء بقي هادئًا ساكنًا بشكل مفزع، يثير الريب والشك والخوف» (ص 174).

إن وقائع رواية «شيركيسيا» تثير الدهشة، كما أن ممارسات الشخصيات في هذه الرواية تثير الحزن، ومن ناحية أخرى تثير الجدل: «أين أنت؟ نريد أن ننقذ أنفسنا من شقاء أنفسنا؟» (ص 211).

إن الرواية عمل حكائي يأتي بسلسلة من الآثار الحكائية، وإن فن الرواية هو استخدام أكبر حجم من الأحداث، والبعض من النقاد يرى أن أقل حجم ممكن من الحياة الخارجية يمكن أن يبعث أعنف حركة ممكنة في الحياة الداخلية. وإن كانت الروائية نرين طلعت مالت إلى الأخذ بوجهة النظر الثانية، مع استثناء حجم الحدث، فكان حدثها كبيرًا، ونظرتها موضوعية وإنسانية، بعيدًا عن الأحقاد والتذمر.

فكانت روايتها مرآة للتاريخ، مازجة بين الحدث والواقع، اللذين أدّيا في النهاية إلى حدث ضخم، ألا وهو رواية تحكي حكاية شعب تشرد في أصقاع الدنيا.


تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير