banner
فن و مشاهير
banner

الثنائيات الضدية بوصفها خطابًا للسلطة في 'ثقل الريشة"

{clean_title}
جهينة نيوز -

الدكتور عمر الرداد

لعل اهم ما يميز مقاربات التحليل النقدي للخطاب انها لا تنظر للخطاب الادبي بمرجعيات جمالية، ولا بوصف التقنيات كالثنائيات الضدية مجرد تقنية بلاغية لخلق التوتر الدرامي، بل بوصفها آلية أيديولوجية تُنتج المعنى وتوزّع السلطة والقيمة بين طرفي الثنائية، فحين يُبنى خطابٌ ما على تقابل "نظيف/قذر" أو "صامت/ناطق"، فإن هذا التقابل لا يصف العالم وصفًا محايدًا، بل يفرض عليه تراتبية، بطرف يُمنح الشرعية والمكانة، وطرف يُدفع إلى هامش الوصم والإقصاء، وتكمن قوة "ثقل الريشة" في أنها لا تكتفي بتوظيف هذه الثنائيات لبناء عالمها الروائي، بل تفضح آلية عملها ذاتها، ثم تعمل على زعزعتها وقلب حدّيها، لتكشف أن الحدود الفاصلة بينهما وهمية أو متبادلة أكثر مما هي ثابتة، فقد بنت "تبارك ياسين" روايتها الجديدة" ثقل الريشة" بكاملها من خلال أربع ثنائيات كبرى متداخلة: (النظافة/القذارة)، (الصمت/الاعتراف)، (الحضور/الغياب)، و(الخضوع/السيطرة على الجسد).

وتعد ثنائية " القذارة والنظافة" الثنائية التأسيسية التي تتفرع منها بقية الثنائيات، حيث تُصاغ وفق الخطاب الاجتماعي المهيمن: النظافة (هيام، المعقّمة بالكلور) ترتبط بالمكانة والاحترام، بينما القذارة (موسى، جامع الخردة، رائحة العرق والتبغ) ترتبط بالدونية الطبقية، وهذا التراتب يتكرر مصغَّرًا في صالون التجميل، حين تشتكي "مدام رشا" الثرية من "العطور الرخيصة" التي تتحسس منها بشرتها، وهي جملة تختزل خطاب التمييز الطبقي بأكمله،الجسد الراقي حساس تجاه الجسد الفقير، والرائحة أداة لرسم الحدود بين الطبقات، وتفكّك "تبارك" هذه الثنائية من الداخل عبر محطات متتالية:

حركة الكشف الفلسفي: على لسان موسى، حين يقلب المعادلة صراحة: "الوسخ الظاهري ليس عيبًا؛ العيب الأكبر أن تكون نظيفًا من الخارج وقذرًا من الداخل". هذه الجملة إعلانُ خطابٍ مضاد، يستبدل معيار الحكم من المظهر الحسي إلى الجوهر الأخلاقي.
حركة الانقلاب الرمزي: القمامة، التي يُفترض أن تكون أدنى مراتب النظافة، تتحول إلى "الكائن الوحيد الذي لا يكذب"، أي إلى مصدر الحقيقة الوحيد في عالم يتباهى أهله بهويات زائفة،بهذا تصبح القذارة في القاموس الرمزي للرواية مرادفًا للصدق، والنظافة مرادفًا للتمويه.
حركة الاعتراف المتأخر: تعترف هيام، بعد موتها، أن رائحة موسى "كانت بالنسبة لروح [أمل] الصغيرة تعني المأوى والدفء"، بينما نظافتها الباردة "لا تشبه الدفء في شيء". هذا الاعتراف يهدم بأثر رجعي القيمة التي بُني عليها الخطاب الطبقي من الأساس، واقرار أن "النظافة" لم تكن فضيلة، بل قناعًا وسواسيًا يخفي عارًا وخوفًا داخليًا، بينما "القذارة" لم تكن انحطاطًا بل كانت الشكل الوحيد الصادق للحب والانتماء.
وتتوّج الرواية هذا الانقلاب بمشهد ختامي دال: تنظيف أمل وموسى للمنزل معًا، وفتح النوافذ المغلقة،وهنا يتحول فعل "التنظيف" ذاته من أداة قمع (كما كان عند هيام) إلى طقس تحرري إرادي، وهو ما يكشف أن الرواية لا تلغي الثنائية بقدر ما تعيد تعريف شروط ممارستها، فالنظافة ليست شرًا في ذاتها، بل حين تكون قسرية ووسواسية ومحكومة بالخوف من الفضيحة.

وتبرز الرواية ثنائية ثانية وهي "الصمت والكلام" وتشتغل هذه الثنائية على مستوى بنية السرد ذاتها لا على مستوى المضمون فقط، فالرواية تبدأ من نقطة الأثر النفسي (أمل عند القبر) وترتد إلى لحظة الحدث (ليلة الموت)، وهو اختيار خطابي يضع القارئ في موقع من يواجه نتيجة الصمت قبل أن يفهم أسبابه، تمامًا كما تعيش أمل صغيرة في مواجهة كراهية أمها دون تفسير، وتتجسد هذه الثنائية بشكل أوضح في شخصية هيام: في حياتها، تحكمها لغة الصمت والوسواس القهري (التنظيف المتكرر كبديل عن الكلام)، فهي عاجزة عن الاعتراف بحقيقة مشاعرها تجاه نوح وتجاه أمل. لكنها لا تُمنح "حق الكلام" الكامل إلا بعد الموت، عبر صوت الصورة المعلقة خلف الزجاج، وهنا تبرز الثنائية الضدية باشتراط ان تفقد المرأة فاعليتها الجسدية والاجتماعية (أن تتحول إلى صورة/موضوع للرؤية) لكي تُمنح سلطة الاعتراف والنطق، هذه المقاربة تكشف عن خطاب اجتماعي أعمق تنتقده الرواية ضمنًا: مجتمع لا يتيح للمرأة مساحة اعتراف آمنة وهي حية وفاعلة، بل يؤجل حقها في الكلام إلى ما بعد زوال خطورتها الاجتماعية.

وتتكرر هذه الثنائية بصيغة مصغّرة داخل صالون التجميل، حيث تصبح "النميمة" "وسيلتهنّ الوحيدة للتطهّر". هنا يُدرَج فعل الكلام النسائي (المحظور رسميًا، المسموح به هامشيًا) ضمن معجم التطهير الأخلاقي ذاته الذي تدور حوله الثنائية الكبرى، فالنميمة خطاب بديل يمنح النساء صوتًا داخل مساحة مضبوطة اجتماعيًا، لكنه لا يرقى إلى مرتبة الاعتراف الحقيقي الذي لا يتحقق في النص إلا بعد الموت أو بعد اكتمال النضج .

واذا كانت ثنائية الصمت/الاعتراف تدور حول من يُمنح حق الكلام متأخرًا، فإن ثنائية الحضور/الغياب تتعلق بمن لا يُمنح هذا الحق مطلقًا، ومع ذلك يظل الفاعل الأقوى في تحديد مصائر الجميع، فشخصية "نوح" الغائب فعليًا (فهو ميت أو مختفٍ من الحاضر السردي) لكنه حاضر رمزيًا وسببيًا في كل خيط من خيوط المأساة، كراهية هيام لأمل، قبول موسى المهين ظاهريًا والسخي باطنيًا، بل واسم أمل نفسها الذي يحمل أثر الأمل الموؤود، ومن منظورات تحليل الخطاب، يمثل نوح نموذج "الخطاب الغائب المهيمن"،فأقوى الخطابات في المجتمعات المغلقة غالبًا ليست تلك المصرَّح بها، بل الخطاب المسكوت عنه الذي تُبنى حوله شبكة كاملة من التبريرات والصمت المشترك وربما تلك التي تلامس قداسة، فحين يظهر نوح في حلم موسى بقميص "أبيض ناصع ملوث بالكامل بتراب الأرض"، فإن هذه الصورة تختزل بصريًا الثنائيات الثلاث مجتمعة: النظافة (الأبيض الناصع) والقذارة (تراب الأرض)، الحضور (الظهور في الحلم) والغياب (كونه ميتًا/غائبًا)، وأخيرًا استحالة الفصل التام بين طرفي أي ثنائية ضدية يطرحها النص.

ثنائية رابعة تطرحها الرواية حول الخضوع والارادة،وتتمركز هذه الثنائية حول الشعر والمقص بوصفهما موقعًا ماديًا تتجسد فيه سلطة الجسد وصراعها،ففي طورها الأول، يمثل المقص أداة عقاب وإخضاع: شعر أمل الطفلة يُقصّ عنوة، أي أن جسدها يتحول إلى ساحة تُمارَس عليها سلطة الأم دون استئذان، في تكرار مصغّر لسلطة المجتمع على الجسد الأنثوي عمومًا، وفي الطور الثاني، يعاد المقص إلى الصورة بوصفه أداة إنتاج واقتصاد (في صالون سعاد)، وهو انتقال من الخضوع الفردي إلى الانخراط في خطاب اجتماعي أوسع (العمل، الجمال بوصفه سلعة)، لكنه لا يزال خطابًا مُدارًا ضمن منظومة مجتمعية لصناعة المظهر لا يتحرر منها الجسد الأنثوي كليًا، لكن الذروة الدلالية للثنائية تتحقق حين تستعيد أمل، بالغةً، المقص فعلًا إراديًا خالصًا: "كل شعرة تقصّها تشعر أنها تقتطع جزءًا من الكذبة"،وهنا ينقلب طرفا الثنائية: الجسد الذي كان موقعًا للخضوع يصبح موقعًا للسيطرة والإرادة الذاتية، لكن هذا الانقلاب ليس قطيعة تامة مع الأم، بل إعادة توظيف لأداتها ذاتها (المقص، فعل القص/التطهير) في خدمة غاية مضادة، وهو ما يجعل خطاب التحرر في الرواية خطابًا معقدًا غير احتفالي: التحرر لا يُقصي إرث القمع، بل يعيد صياغته من الداخل، ويوازي هذا التحول تحوّلٌ مهني موازٍباختيار أمل مهنة التمريض، أي التطهير الحقيقي للجروح بالحب والعلم، في تضاد مباشر مع تطهير أمها الوسواسي بالكلور والصابون، والثنائية هنا لا تُحسم بإلغاء أحد طرفيها، بل بإعادة توزيع القيمة: التطهير القسري (خضوع) مقابل التطهير الاختياري الواعي (سيطرة رشيدة على الذات لا على الآخر).

الأهمية النقدية لرواية "ثقل الريشة" لا تكمن في توظيفها ثنائيات ضدية متعددة فحسب، بل في رفضها الإبقاء على هذه الثنائيات منفصلة أو ثابتة الأطراف، فالنظافة تتقاطع مع الصمت (وسواس هيام صامت ومكتوم)، والقذارة تتقاطع مع الاعتراف (خطاب موسى الصريح والصادق)، والغياب (نوح) يتحكم في شروط الحضور (أمل، هيام، موسى)، والخضوع الجسدي يتحول إلى أداة للسيطرة دون أن يُمحى أثره الأول بالكامل، وهذا التداخل هو ما منح النص عمقه من منظور تحليل الخطاب النقدي: فالثنائيات الضدية في الخطاب الاجتماعي المهيمن تُصاغ عادة بوصفها فواصل صارمة وقابلة للحسم (نظيف/قذر، شريف/عاهر، صامت مطيع/ناطق متمرد)، بينما تعمل الرواية على تعرية هذا الحسم بوصفه وهمًا أيديو…
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير