أوروبا تقول لفيفا: كأس العالم ليس للبيع
معركة النفوذ بدأت
الأنباط – ميناس بني ياسين
قبل أيام فقط تحولت العلاقة بين الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) والاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA) من خلاف إداري إلى واحدة من أخطر الأزمات السياسية في تاريخ اللعبة الحديثة، بعدما طرح رئيس فيفا جياني إنفانتينو مشروعًا يقضي بإنشاء شركة تجارية جديدة تُنقل إليها الحقوق التجارية لكأس العالم وبقية بطولات فيفا، مع بيع حصة تصل إلى 20% منها لمستثمرين من القطاع الخاص مقابل استثمارات تقدر بنحو 20 مليار دولار وقد دافع إنفانتينو عن الفكرة مؤكدًا أن الهدف منها هو توفير موارد مالية إضافية للاتحادات الوطنية، مشددًا على أن "لا أحد يبيع كرة القدم"، وأن المشروع سيخضع لـ"مشاورات مفتوحة وديمقراطية".
الشرارة التي فجّرت الأزمة
إلا أن هذا الطرح قوبل برد فعل عنيف وغير مسبوق من أوروبا حيث اعتبرت قيادة الاتحاد الأوروبي أن القضية لا تتعلق بالأموال، بل بمستقبل اللعبة ومن يملك القرار فيها وفي بيان شديد اللهجة، أكد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، باسم جميع اتحاداته الأعضاء، أن كرة القدم ليست أصلًا تجاريًا يمكن بيعه للمستثمرين، وأن أي خطوة من هذا النوع تمثل تهديدًا مباشرًا لنظام الحوكمة العالمي الذي تقوم عليه اللعبة وسرعان ما تحولت الأزمة من مجرد اعتراض إلى تلويح صريح باستخدام سلاح المقاطعة إذا مضى فيفا في تنفيذ المشروع.
ورغم أن فيفا تمسك في البداية بالمشروع فإن الضغوط المتصاعدة دفعت الاتحاد الدولي إلى التراجع عن الفكرة وسحبها، في خطوة اعتبرها كثيرون انتصارًا سياسيًا للاتحاد الأوروبي، لكنها في الوقت ذاته كشفت حجم الانقسام داخل المؤسسة التي تدير كرة القدم العالمية.
تمرد أوروبي غير مسبوق
ولم تتوقف الانتقادات عند حدود الاتحاد الأوروبي إذ خرج رئيس رابطة الدوريات الأوروبية كلاوديوس شيفر بتصريحات حادة اعتبر فيها أن الطريقة التي أدار بها إنفانتينو الملف "غير مقبولة"، لأنها تمت دون استشارة مجلس فيفا أو الاتحادات القارية الرئيسية
وأضاف أن أي رئيس تنفيذي في مؤسسة عالمية يتخذ قرارًا بهذا الحجم بصورة منفردة، فإن موقعه القيادي يصبح موضع مساءلة، منتقدًا ما وصفه بتغليب المصالح التجارية على سلامة اللعبة وجدول المباريات المزدحم أصلًا.
كما اتسعت دائرة المعارضة خارج أوروبا، بعدما أبدى اتحادا أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي (كونكاكاف) وعدد من مسؤولي الاتحاد الآسيوي استياءهم من آلية اتخاذ القرار، مؤكدين أنهم علموا بالمشروع عبر وسائل الإعلام وليس من خلال مؤسسات فيفا الرسمية، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول الشفافية داخل الاتحاد الدولي.
هل يهتز عرش إنفانتينو؟
وفي أروقة الإعلام الرياضي وصف عدد من المحللين ما يحدث بأنه أكبر أزمة ثقة تواجه جياني إنفانتينو منذ توليه رئاسة فيفا واعتبر الصحفي البريطاني المخضرم مارتن زيغلر أن الأزمة تجاوزت فكرة الاستثمار، وأصبحت تتعلق بمستقبل الحوكمة في كرة القدم، بينما رأت صحيفة The Guardianأن إنفانتينو "فقد ثقة الاتحاد الأوروبي"، وأن التراجع عن المشروع لم يكن كافيًا لإنهاء الأزمة السياسية التي خلّفها.
أما داخل الأوساط الإدارية فتشير التقارير إلى أن الحديث لم يعد يدور فقط حول المشروع الذي أُلغي، بل حول مستقبل إنفانتينو نفسه فقد ذكرت عدة وسائل إعلام أوروبية أن رئيس الاتحاد الأوروبي ألكسندر تشيفرين بدأ يشجع الاتحادات الوطنية على إعادة النظر في دعمها لرئيس فيفا، فيما تتزايد التكهنات بإمكانية ظهور منافسين جديين له في الانتخابات المقبلة إذا استمرت حالة الانقسام الحالية، كما تحدثت تقارير عن تحركات داخل بعض الاتحادات القارية للمطالبة بمساءلة قيادة فيفا وإعادة تقييم أسلوب اتخاذ القرارات الكبرى داخل المنظمة.
ويجمع مراقبون على أن ما جرى ليس مجرد خلاف حول صفقة استثمارية، بل معركة على هوية كرة القدم العالمية نفسها فهناك تيار يقوده إنفانتينو يرى أن تعظيم الإيرادات هو الطريق لتطوير اللعبة وتوزيع الأموال على الاتحادات الأقل دخلًا، في حين يرى المعارضون أن إدخال مستثمرين إلى قلب البطولة الأهم في العالم قد يفتح الباب أمام هيمنة المصالح التجارية على القرارات الرياضية، ويحوّل كأس العالم من رمز رياضي عالمي إلى أصل استثماري يخضع لحسابات الأسواق. ولهذا السبب، ينظر كثيرون إلى هذه الأزمة باعتبارها لحظة مفصلية قد تعيد رسم موازين القوى داخل كرة القدم العالمية لسنوات قادمة













