من قتل شهداء وطني فأوجعنا صقيع الموت ..
من قتل شهداء وطني فأوجعنا صقيع الموت ..
بقلم الكاتبة والمحررة الصحفية: أميمة الجبور
دُفِن جواد اليوم ووري جثمانه في رمال قريته المشيرفة وأعرف أن الكتابة عن الوجع لا تكاد تكون إلا شيئا من امتزاج المشاعر بالألم وإسقاطها على الأوراق لعل ما يثقل القلب ويقف جاثما عليه يتأرجح شيئا منه وينزل بعضا من تلك الغصات التي تقف أمامها شاهدة عبرات ذاك الرجل المسن الذي أتعبت تلك الشاشات والميكرفونات حنجرته وتوغلت في عميق جرحه الذي مازال أخضرا ينزف غارقا في جلل مصابه وفقدان فلذة كبده ،، لكنه وقف شامخا ثابتا جبلا عظيما ومهابا لا يملك إلا أن يسلم للشهادة والفداء والوطن مطلق القول ويردد أن كلنا فداء لهذه الأرض ولعنفوانها رغم أنه كليم الفؤاد والجوى .
وأعرف أن الصور قد تقطعت قد تقطعت عن ذاكرته.. ولعله التفت إلى أم شهيده الشماء مخاطبا احتسبيه لله والوطن وللأرض والثرى وإن لم يقوى على البوح لها أن فؤاده قد تفطر وتقطر وأن صوت جواد لن يغادر ذاكرته في أول يوم ارتدى فيها بدلته العسكرية ،، صحيح أنه قد تعثر في تعليمه ولم يكمل دراسته ليلحق ببصيص حلمه ويجود على أسرته بما تستر به بيوت الأردنيين .. لكن وإن اكتمل بقي في صفوف البطالة في قرى ً نُسيت وحظيت بحظها من التهميش والإقصاء وجمعت بين سقوفها عائلات تعاني الشقاء والبعد والعوز .
أعرف جدا أن البرد ليلة الأمس كان الأشد في حياة أم جواد وكان شديد القسوة والألم فقد تغلغل في جسدها وروحها ،، رغم أن جليساتها دثرنها وأخته وأسكتن صوتها ودموعها مهللات ومسبحات وقد شاركنها الدموع والصوت وقد تفطر قلبها ونسيت أن الوداع لن يكون مرتين مرة عندما غادر البيت جواد ليتلحق بوظيفته ويحل مكان رفيق سلاحه ومرة أخيرة اليوم في النعش حيا عند الله يرزق ،، ترافقه كل دعوات الرضى واللين والسلامة .
ما أوجع الفراق وما أحر تلك الدموع وما أقذر يدي كل خائن وما أدنس من يغتال ربيع وطنه وزهوره وما أخسئ الغدر حينما يطال الوطن والأخوة والأهل وكل عزيز ،، وخصوصا ذاك الذي يمتد لجنود الوطن وحماته وينال من قداسة دمائهم وحرمتها ويقترب من جلال بدلاتهم العسكرية ويعانق برصاصه وسلاحه هيبة تعبهم ووقوفهم الذي كان لنا جسرا نمر بجنبه ساكنين ونهارا لا نعرف فيه سهر ليل أو ظلام ،، نسكن فيه وننعم بدفء البيوت وقد نال البرد من جنوبهم ولفحت فيه الشمس سمر جباهههم .
يا الله ما أقسى الحديث عن وجع البيوت وظروفها والبسطاء ومعيشتهم وأملهم وأحلامهم البسيطة في بناء بيت أو شراء سيارة .
نعم مات جواد وقبله جواد وغدا سيجود جواد آخر ،، ومازلنا نلتصق بأردنيتنا ونخاف على أرضنا يوحدنا الحزن وإن كان يفجعنا ،، لكنه لا ينسينا ولن ينال منا ولم يضعفنا ويحبط فينا الذود عن مؤسساتنا وحدودنا وسنقطع دابر كل يد تمتد لجنودنا وأمننا وحدتنا وستبقى تنبت أرضنا زرعنا وستلد نسائنا وسنثأر من كل فكر يضلل مستقبلنا ،، وستضيء بلدة جواد ويخلد اسمه شهيدا ارتقى للوطن وفي عليائه ،، .













