حين تتحول خرائط الأرض إلى خرائط للحكاية
توفيق جاد..
ليس كلّ من حمل القلم صار كاتبًا، ولا كلُّ من كتب سطورًا ترك أثرًا؛ فالأدب الحقيقي لا يُقاس بعدد الكتب وحدها، بل بما يتركه صاحبه من أثر في الذاكرة، وما يضيفه إلى المشهد الثقافي من تجربة وفكرةٍ وصوتٍ لا يشبه سواه.
ومن بين الأسماء التي اختارت أن تمضي في درب الأدب بصبر وتراكم ومثابرة، يبرز القاص والروائي توفيق أحمد عبدالرحمن جاد، ابن نورشمس/طولكرم، والمقيم في إربد، بوصفه تجربة أدبية وإنسانية امتدت لعقود، وتقاطعت فيها مهنةُ المساحة مع مساحةٍ أخرى أكثر اتساعًا: مساحة الإنسان، والحكاية، والمجتمع.
وُلد توفيق جاد في نورشمس بتاريخ 11 كانون الثاني/يناير 1959، ونشأ في بيئةٍ حملت في ذاكرتها الكثير من التحولات الاجتماعية والوطنية، قبل أن تشقّ تجربته طريقها من مقاعد الدراسة إلى ميادين العمل، ومن خرائط الأرض وقياساتها إلى خرائط الروح وأسئلتها.
أنهى دراسته الإعدادية في مدارس وكالة الغوث بنورشمس عام 1974، ثم واصل تعليمه في طولكرم، وحصل على الثانوية العامة من المدرسة الفاضلية عام 1977. وبعدها درس المساحة المستوية في عمّان، ليبدأ عام 1979 عمله مسّاحًا في شركة كهرباء محافظة إربد، ثم ينتقل إلى شركة GEA الألمانية، ويلتحق بعد ذلك بالقوات المسلحة الأردنية نائبَ مساحة مدفعية بين عامي 1983 و1987.
وتواصلت رحلته المهنية في عدد من المؤسسات والشركات، وصولًا إلى بلدية الرمثا عام 2008، حيث عمل مسّاحًا، ثم تولّى رئاسة قسم المساحة حتى نهاية خدمته عام 2019. كما ترأس لجنة التسمية والترقيم للشوارع، وهي تجربة جعلته قريبًا من تفاصيل المكان وذاكرة المدن وأسمائها.
لكن توفيق جاد لم يكتف بأن يرسم حدود الأرض؛ فقد كان يرسم، بالتوازي، ملامح تجربته الأدبية.
ومنذ سنواته الأولى مع الكتابة، بدا واضحًا أن القلم بالنسبة إليه لم يكن ترفًا، بل مشروعًا متصلًا؛ مشروع يتسع مع الأيام، ويتخذ من القصة والرواية والكتاب الأدبي والثقافي أدوات للقول والتأمل وطرح الأسئلة.
فكانت (الصرير) أولى مجموعاته القصصية المنشورة عام 2016، تلتها رواية (الغداء الأخير) عام 2017، ثم (خربشات أدبية ) عام 2018، وكتاب (عتبات صغيرة) الذي أعدّه وحرره، جامعًا فيه أصواتًا شابة وتجارب إبداعية واعدة.
وفي عام 2019 جاءت روايته (بنش مارك)، وهي تجربة لافتة وظّف فيها علم المساحة داخل العمل الأدبي، في صورة تكشف قدرة الكاتب على تحويل خبرته المهنية إلى مادة سردية، وعلى جعل المعرفة المتخصصة جزءًا من نسيج الحكاية.
ثم جاءت مجموعته القصصية (على خطى الشيطان) عام 2020، لتتواصل التجربة مع رواية (فلبس الحلاق) عام 2022، وهي رواية تقترب من مناطق مسكوت عنها في المجتمع، وتحاول أن تفتح نوافذ على ما يُفضّل البعض إبقاءه خلف الأبواب المغلقة.
وفي عام 2023 أصدر مجموعة (ذر أحمر)، إلى جانب (خربشات أدبية 2)، ثم جاء كتابه (مختصر منقول في مخاطبة العقول) عام 2025، في تجربة معرفية أراد لها أن تجمع منوعات من العلوم والمعلومات في صيغة أقرب إلى الأطلس الأدبي، إضافة إلى أعمال أخرى واصلت مشروعه، منها ( الغداء الأخير 2) و (درر الكلام لنفع الأنام).
ولعل اللافت في مسيرة توفيق جاد أن الكتابة عنده لم تكن منفصلة عن الفعل الثقافي؛ فلم يكتفِ بأن يكون مؤلفًا يجلس خلف مكتبه، بل كان حاضرا في المشهد، مشاركا ومنظما ومديرا وداعما وراعيا للمبادرات الثقافية والشبابية.
فقد كان عضوا في اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين، وعضوًا في رابطة الكتاب الأردنيين، والاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، واتحاد كتاب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، والتجمع الدولي لاتحادات الكتاب، كما تولّى رئاسة الجمعية العربية للفكر والثقافة منذ عام 2026، بعد سنوات من العمل فيها عضوًا وأمينًا للسر.
وامتدت بصمته إلى المسابقات الأدبية والأمسيات واللقاءات الشبابية؛ فنظّم مسابقات شعرية وأدبية، وأدار مسابقة للقصة القصيرة لطلبة جامعة آل البيت، وشارك في تنظيم عشرات الأمسيات والفعاليات، وأسهم في نشاطات شبابية وإعلامية عبر الإذاعة والتلفزيون، إلى جانب لقاءات أدبية وثقافية عبر المنصات الرقمية.
وهنا تتضح قيمة أخرى في تجربته، بأنه لم يكتب لنفسه فقط، بل حاول أن يفتح الطريق لغيره.
وهذه خصلة لا يمتلكها كل كاتب؛ فهناك من يرى في المشهد الثقافي مقعدًا يتسع لشخص واحد، وهناك من يؤمن بأن الثقافة فضاءٌ رحب، وأن نجاح المبدع الحقيقي لا يكتمل إلا حين يترك خلفه مساحةً لمبدعين آخرين.
وقد حظيت تجربته بتكريمات واحتفاءات في عدد من المدن والمنتديات، كما قُدّمت قراءات نقدية لبعض أعماله، وكتبت عنه دراسات تناولت سيرته ومسيرته الأدبية، ووصل صدى مؤلفاته إلى صحيفة القدس العربي الصادرة في لندن.
وبين المسّاح الذي أمضى سنواته يقيس المسافات، والكاتب الذي أمضى عمره يقيس المسافة بين الإنسان وذاته، تتشكل مفارقة جميلة في تجربة توفيق جاد.
فهو الذي عرف الخرائط، لكنه لم يحبس نفسه داخل حدودها.
عرف الأرض، فكتب عن الإنسان.
عرف الأرقام والمسافات، فاشتغل على المعنى.
وقف طويلًا أمام تفاصيل المكان، ثم حمل تلك التفاصيل إلى الورق، ومنحها حياةً أخرى في القصة والرواية.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في حقه أن تجربته لم تُبنَ في يومٍ واحد، ولم تولد من ضوءٍ عابر؛ إنها تجربةٌ راكمت سنوات العمل، والقراءة، والكتابة، والحضور الثقافي، وخدمة المبدعين، حتى أصبحت سيرته نفسها نصًا يستحق أن يُقرأ.
توفيق أحمد جاد ليس مجرد اسمٍ في قائمة الكتّاب، بل شاهدٌ على زمنٍ ثقافي، ورحلةُ قلمٍ اختار أن يظل في الميدان.
وفي زمنٍ يكثر فيه من يكتبون، تظل القيمة لمن يواصلون الكتابة، ومن يضيفون، ومن يفتحون الأبواب لغيرهم، ومن يجعلون من العمر الطويل في الثقافة رصيدًا لا عددًا.
وهكذا يبقى توفيق جاد؛ كاتبًا عبر من خرائط الأرض إلى خرائط الحكاية، وحوّل سنوات المهنة إلى خبرةٍ سردية، وجعل من الكتابة طريقًا لا محطة، ومن الثقافة فعلًا لا لقبًا، ومن الحضور الأدبي أثرًا يتجاوز حدود الكتاب إلى ذاكرة المكان والناس.
فبعض الكتّاب تقرأ كتبهم ثم تطوي صفحاتها، أما بعضهم فتقرأ سيرتهم فتدرك أن الكتاب الحقيقي هو العمر الذي كتبوه قبل أن يكتبوا أسماءهم على أغلفة الكتب.
الأستاذ والأديب توفيق جاد شخصيةٌ متميزةٌ تستحق الوقوف عند تجربتها الأدبية والإنسانية؛ فقد استطاع أن يجعل من سنوات العمر رصيدًا من المعرفة والعطاء، ومن القلم مساحةً للقول، ومن حضوره الثقافي أثرًا يتجاوز حدود مؤلفاته إلى المشهد الأدبي الذي أسهم في إثرائه.
إنها سيرةُ أديبٍ لم يكتفِ بأن يكتب، بل عاش الأدب ممارسةً وحضورًا وعطاءً؛ ولذلك فإن الوقوف عند تجربة توفيق جاد ليس احتفاءً بشخصٍ فحسب، بل قراءةٌ لمسيرةٍ تستحق التقدير، ولاسمٍ ترك في الثقافة أثرًا جديرًا بأن يُروى ويُحفظ.













