الإشراف الهندسي في الأردن: ثغرات التشريع وتحديات السلامة العامة
د. أيوب أبودية
تُعدّ مرحلة الإشراف الهندسي على المشاريع الإنشائية الركيزة الأساسية لضمان سلامة المباني وجودتها، وحماية الأرواح والممتلكات من أي خلل تنفيذي أو تصميمي. غير أن التحديات والتطبيقات الحالية لممارسة الإشراف الهندسي في الأردن تشير إلى وجود ثغرات تنظيمية وتشريعية تتطلب مراجعة حازمة، نظرًا لما تمثله من خطورة مباشرة على البيئة العمرانية والسلامة العامة.
تتجلى إحدى أبرز هذه الثغرات في التعليمات التي تسمح للمهندسين حديثي التخرج بالإشراف على مشاريع ذات مساحات تصل الى ألف متر مربع. وإن كان الهدف الظاهري من هذا الإجراء هو منح الكوادر الجديدة فرصة للدخول في سوق العمل، إلا أن الواقع الهندسي يؤكد أن الإشراف على الإنشاءات ينبغي أن يخضع للخبرة . وهذا يعني أيضا أن عدد سنوات التخرج لا يكفي بل ينبغي الخضوع لدورة مكثفة للتأهل. فالعمل الميداني يتطلب قدرة عالية على التعامل مع المخططات التنفيذية، وإدارة الموقع، واكتشاف الأخطاء وتداركها في لحظتها، وهي مهارات لا تتأتى إلا بالخبرة والممارسة العملية المتراكمة؛ إذ إن أي خطأ في البناء -مهما صغر حجمه- قد يؤدي إلى كارثة إنشائية لا تُحمد عقباها.
ولا تقف التحديات عند حدود خبرة المهندس المشرف، بل تتجاوزها إلى مسألة تشريعية أخرى تسمح لأصحاب المكاتب الهندسية بالإشراف على مشاريعهم الخاصة أو الأراضي المملوكة لهم. يفتح هذا الجمع بين صفة المالك والمشرف الباب أمام تضارب صريح في المصالح، حيث قد تتوارى الاستقلالية المطلوبة في الرقابة الهندسية لحساب اعتبارات تجارية أو مالية، مثل تقليل التكاليف على حساب الجودة أو التغاضي عن بعض المعايير الفنية والاشتراطات الوقائية.
فالإشراف الهادف والموضوعي يتطلب وجود طرف ثالث مستقل يضمن تطبيق المخططات بأعلى درجات النزاهة والحيادية. لان البناء قد يباع مع الوقت ويصبح ملكا لاخر، كما يتطلب زيارات ميدانية للتأكد من وجود المهندس المقيم والاطلاع على تقاريره اليومية.
إن النهوض بقطاع الإنشاءات وضمان أمان المنشآت يتطلبان إعادة النظر في التعليمات المنظمة لعملية الإشراف الهندسي. ويستدعي ذلك اشتراط وجود خبرة عمل ميدانية سابقة للمهندسين قبل منحهم صلاحية الإشراف المنفرد، إلى جانب حظر إشراف المكاتب الهندسية على مشاريعها الخاصة منعًا لتضارب المصالح، وزيارة المشاريع الدورية ليبقى الإشراف الهندسي حصنًا مَنِعًا يضمن جودة البناء وسلامة المجتمع.