هل كنا بحاجة إلى توجيهي المسارات؟ أم كان الأجدر تطوير التوجيه والإقناع؟
في ظل النقاش الواسع الذي تشهده الساحة الأردنية حول نظام امتحان الثانوية العامة «التوجيهي»(المسارات) الذي تم تطبيقه ولا احد يقاوم التطوير والتحديث فهناك إيجابيات وسلبيات فيه ويمكن إجراء تعديلات عليه و من الطبيعي عالميا عند التطبيق لأي قرار وبعد التقييم تظهر ملاحظات وقد يتم التعديل أو التغيير ، ومع تزايد الأصوات المطالبة بالعودة إلى التوجيهي العلمي والأدبي ومن يتابع ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي وأخذ اراء من مواقع الكترونيه ، ولهذا يبرز سؤال أساسي ينبغي أن نطرحه بكل هدوء وموضوعية:
هل كنا بحاجة أصلًا إلى الانتقال إلى نظام توجيهي المسارات، أم كان الأجدر أن نركز أكثر ولا احد ينكر الجهود التي تبذل ولكن التركيز أكثر على توجيه الطلبة وإقناعهم بأهمية التعليم التطبيقي والمهني والتخصصات التي يحتاجها سوق العمل وتطوير البرامج وتحديث مدارس والتوسع في إنشاء مدارس مهنيه وتطوير قدرات المعلمين؟
ومن يتابع ما يُنشر ويُناقش في وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية يلاحظ أن المطالبة بالعودة إلى التوجيهي العلمي والأدبي أصبحت رأيًا حاضرًا بقوة بين شريحة واسعة من المواطنين والطلبة والأهالي.
وهذا لا يعني رفض التطوير أو العودة إلى الوراء، فالتطوير ضرورة، والتعليم لا يمكن أن يبقى ثابتًا في عالم يتغير بسرعة، ولكن ليس كل تغيير تطويرًا، وليس كل نظام جديد أفضل بالضرورة من النظام السابق.
التوجيهي الأردني، بتقسيماته السابقة، كان نظامًا مستقرًا وراسخًا، واكتسب ثقة المجتمع الأردني، كما كان معروفًا لدى الجامعات والمؤسسات التعليمية خارج الأردن.
وتخرجت منه أجيال متعاقبة من أبناء الوطن، وأصبح امتحان الثانوية العامة الأردني عنوانًا معروفًا للجدية والانضباط والموضوعية.
ولهذا، لم نكن نسمع بهذا الحجم من الجدل المجتمعي حوله كما نسمعه اليوم.
التطوير لا يعني بالضرورة تغيير التوجيهي
أنا وغيري مع تطوير التعليم، ومع تطوير المناهج، ومع تطوير أساليب التقييم، ومع التوسع في التعليم التطبيقي والمهني، ومع ربط التعليم بسوق العمل، ولكنني أرى أن تغيير نظام التوجيهي ليس الوسيلة الوحيدة لتحقيق هذه الأهداف.
بل إن القضية الأساسية في رأيي هي:
كيف نقنع الطالب وولي الأمر بأن التعليم المهني والتطبيقي ليس خيارًا ثانيًا، وإنما مسار حقيقي للنجاح والإنتاج والعمل والدخل والريادة؟
وهنا أعتقد أن الأدوات الأهم كانت ولا تزال هي التوجيه والإقناع والتوعية والقدوة والمعلومة الصحيحة.
كان يمكن أن نركز يوميًا، منذ المرحلة الأساسية، على التوجيه المهني من خلال الإذاعة المدرسية، والنشاطات، والمعارض الإنتاجية، والزيارات الميدانية، والمناهج، والإعلام، والجامعات، والقطاع الخاص، وقنوات التواصل الاجتماعي، وأن يرى الطالب بنفسه نماذج ناجحة لشباب دخلوا التعليم التطبيقي والمهني وأصبحوا أصحاب مهن ومشروعات وشركات.
تجربة إعلامية تؤكد أهمية التوجيه
وأنا أتحدث هنا من تجربة طويلة في الإعلام والتعليم.
فقد اقترحت منذ عام 1992 إنشاء قناة فضائية تربوية متخصصة، وتابعت أهمية هذا المشروع مع عدد من وزراء التربية والتعليم، لأنني كنت وما زلت أؤمن بأن الإعلام التربوي يمكن أن يكون شريكًا أساسيًا في تغيير الاتجاهات الاجتماعية.
ومنذ عام 1990 قدمنا واول من نفذناه لسنوات في إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية برنامج «مع الطلبة»، وكان من البرامج التي أتاحت الحوار المباشر مع الطلبة وقضاياهم.وكانت برامج الاذاعه ومنها اللقاء المفتوح الذي نفذته وزملاء وزميلات لمده ٢٧ عاما يركز على قضايا التوجيه والاقناع وكذلك البرامج التلفزيونيه
كما أدخلت تجربة الاستديو المفتوح المباشر في برنامج «سفن ستارز»، لإتاحة الحوار مع المسؤولين والشباب، لأنني أؤمن أن الإقناع لا يأتي بالأوامر، وإنما بالحوار والمعلومة والقدوة.
تجربة جامعة البلقاء التطبيقية
ومن خلال تجربتي في جامعة البلقاء التطبيقية مدرسا ومستشارا وعميدا ، وما عايشته في الفترة من 2018 إلى 2022، رأيت أن تغيير الثقافة المجتمعية تجاه التعليم التطبيقي والمهني ممكن، إذا أحسنا التوجيه وقدمنا للناس صورة حقيقية عن فرص هذا التعليم.وفي كليتي اربد والزرقاء عملت على الإقناع المؤثر والتقيت ميدانيا مع المجتمعات المحليه فازداد عدد الطلبه بشكل كبير
وقد شهدت كليات عديدة في الجامعة، ومنها إربد الجامعية والزرقاء الجامعية ومعان الجامعية والكرك الجامعية والحصن الجامعية، اهتمامًا بالتعليم التطبيقي والمهني، ولا تزال هذه التجربة مستمرة.وناجحه وتشهد إقبالا وفتح تخصصات تطبيقيه مهنيه جديده في جامعة البلقاء التطبيقيه كجامعة وطن وفي كلياتها المنتشره في أنحاء الوطن وفي ام الجامعات الاردنيه -الجامعه الاردنيه وفي جامعة آل البيت والجامعه الهاشميه والجامعات الخاصه
وهذا يؤكد أن تغيير اتجاهات الطلبة والمجتمع يمكن أن يحدث من خلال الممارسة والنجاح والقدوة، وليس بالضرورة من خلال تغيير بنية التوجيهي.
الطالب يجب أن يكون شريكًا في اختيار مستقبله
من وجهة نظري، لا ينبغي أن نغلق الأبواب أمام الطالب مبكرًا بصورة قد تجعله يكتشف لاحقًا أنه اختار مسارًا لا يرغب في الاستمرار فيه، أو أنه أصبح بحاجة إلى مواد إضافية إذا أراد الالتحاق بتخصص أو جامعة خارج الأردن.
فالطالب هو صاحب المستقبل أولًا، والأسرة تتحمل معه الأعباء المالية والاجتماعية والنفسية.
ولهذا فإن إعطاء الطالب مساحة أوسع للاختيار، مع توفير توجيه مهني حقيقي ومبكر ومعلومات دقيقة عن سوق العمل، قد يكون أكثر فاعلية من فرض مسارات محددة.
العالم لا ينتظرنا
نحن أمام عالم جديد يتغير بسرعة.
وقد أشار مثلا تقرير مستقبل الوظائف الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى تحولات كبيرة في سوق العمل حتى عام 2030، مع توقع استحداث نحو 170 مليون وظيفة مقابل إزاحة نحو 92 مليون وظيفة، أي زيادة صافية تقارب 78 مليون وظيفة، بفعل التحولات التكنولوجية والاقتصادية والبيئية.
وهذا يعني أن أبناءنا بحاجة إلى مهارات جديدة، وفي مقدمتها التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الأخضر وغيرها.
لكن السؤال هنا:
هل نواجه هذه التحولات بتغيير التوجيهي فقط؟
أم نواجهها بمنظومة متكاملة تبدأ من المدرسة، وتمر بالتوجيه والإرشاد، وتنتهي بالجامعة أو الكلية وسوق العمل؟
أنا أعتقد أن الخيار الثاني هو الأصح.
لا نريد أن يصبح التعليم المهني قرارًا إداريًا
التعليم التطبيقي والمهني لا ينجح إذا قلنا للناس فقط: «اذهبوا إليه».
بل ينجح عندما نقدم لهم معلومات حقيقية عن الوظائف والرواتب وفرص التشغيل ونسب النجاح وقصص الرياديين والشركات التي تحتاج هذه المهارات.
وعندما يرى ولي الأمر أن ابنه أو ابنته يستطيعان الحصول على عمل محترم ودخل جيد وبناء مشروع خاص، فسوف يتغير الاتجاه تلقائيًا.
لذلك فإن المعيار الحقيقي للتخصصات والمسارات يجب أن يكون:
كم خريجًا يعمل؟ وما نوع العمل؟ وما مستوى الدخل؟ وما قدرة الخريج على إنشاء مشروعه؟
لا أن تكون النسب والأرقام مجرد أهداف إدارية.
ماذا عن الطلبة الذين يدرسون خارج الأردن؟
هناك جانب اقتصادي مهم ينبغي ألا نتجاهله.
عندما تضيق الخيارات أمام الطلبة، أو يشعر الطالب أن المسار الذي اختاره لا يناسبه، أو يصبح الوصول إلى بعض التخصصات أكثر تعقيدًا، فقد يتجه عدد أكبر من الطلبة إلى الدراسة خارج الأردن.
وهذا يعني خروج مزيد من العملات الأجنبية.
ونحن نعلم أن كثيرًا من الأسر الأردنية تبذل كل ما تستطيع من أجل تعليم أبنائها؛ فمنهم من يبيع أرضًا، ومنهم من يرهن منزله، ومنهم من يلجأ إلى القروض.
التعليم بالنسبة للأردني ليس إنفاقًا عابرًا؛ إنه استثمار في الابن والأسرة والوطن.
ولهذا فإن أي سياسة تعليمية يجب أن تنظر أيضًا إلى آثارها الاقتصادية والاجتماعية على الأسرة الأردنية.
العودة عن القرار ليست ضعفًا
إذا أثبت التطبيق أن هناك ملاحظات جوهرية على أي قرار، فإن إعادة تقييمه ليست تراجعًا ولا هزيمة.
بل إن قوة المسؤول تكمن في قدرته على الاستماع للناس، وتقييم التجربة، والاعتراف بنقاط القوة والضعف، وتصحيح المسار عندما تقتضي المصلحة العامة ذلك.
وهذا يحدث في الدول والمؤسسات الكبرى.
فالقرار الإداري اجتهاد بشري،
والقرارات الكبرى التي تمس ملايين المواطنين تحتاج إلى مراجعة وتقييم مستمر.
والأهم أن يكون التقييم موضوعيًا بعيدًا عن الشخصنة.
المطلوب اليوم: تقييم شامل وشفاف
نحن بحاجة إلى دراسة علمية هادئة لتجربة توجيهي المسارات، بعيدًا عن الانفعال، تشمل:
رأي الطلبة.
رأي أولياء الأمور.
رأي المعلمين.
رأي الجامعات والكليات.
كلفة النظام على الأسرة.
كلفة المنصات التعليمية.
أثر النظام على الطلبة نفسيًا ودراسيًا.
قدرة الطلبة على تغيير المسارات.
أثره على الطلبة الراغبين بالدراسة خارج الأردن.
مدى ارتباط المسارات الفعلية باحتياجات سوق العمل.
ونسب التشغيل الحقيقية لخريجي التعليم التطبيقي والمهني.
ثم تُعرض النتائج للرأي العام بكل شفافية.
الأردن يستحق الأفضل
نحن في الأردن نفتخر ونعتز بما تحقق من إنجازات في التعليم، وبأمن الوطن واستقراره، وبالمؤسسات الوطنية، وبالجهود الكبيرة التي يبذلها جلالة سيدنا الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم ، حفظه الله، في الدفاع عن الأردن ومصالحه، وجذب الاستثمار والسياحة وتعزيز علاقات المملكة الدولية، وكان آخرها زيارة الدوله في الصين لتعزيز التعاون وخدمة مصالح الوطن.وقد تابعناها بفخر واعتزاز من قائدنا التاريخي
وهذه الجهود الجبارة تتطلب في رأيي من التعليم العام والجامعات أن تعمل بالاتجاه نفسه بسرعه ودقه في :
تخريج إنسان أردني قادر على المنافسة والإنتاج والعمل والابتكار.
ولا يتحقق ذلك بمجرد تغيير اسم المسار، وإنما ببناء منظومة تعليمية متكاملة.
التوجيهي العلمي والأدبي… خيار يستحق إعادة النظر
إن المطالبة بالعودة إلى التوجيهي العلمي والأدبي لا تعني رفض التعليم المهني، ولا تعني العودة إلى الماضي، ولا تعني إغلاق أبواب التطوير.
بل يمكن أن تعني ببساطة:
الإبقاء على امتحان ثانوية عامة أكثر استقرارًا ووضوحًا، مع بناء منظومة قوية جدًا للتوجيه والإرشاد المهني والتطبيقي إلى جانبه.
نحن لا نحتاج برأيي إلى إجبار المجتمع على التعليم المهني، بل نحتاج إلى إقناعه بقيمته.
ولا نحتاج برأيي إلى إجبار نسبة محددة من الطلبة على مسار معين، بل نحتاج برأيي إلى جعل الطالب يختار المسار الذي يناسب قدراته وميوله ومستقبله، بعد أن يحصل على معلومات صحيحة وكاملة.
فإذا اقتنع الطالب بالتعليم المهني، ذهب إليه وهو رافع الرأس.
وإذا اقتنع ولي الأمر بأن مستقبل ابنه في تخصص تطبيقي مطلوب، فلن يحتاج أحد إلى إقناعه.
الاقتناع أقوى من القرار، والقدوة أقوى من الإعلان، والمعلومة أقوى من الشائعة، والنجاح أقوى من كل حملات الترويج.
ولذلك، فإنني أرى أن الوقت قد حان لإعادة تقييم تجربة توجيهي المسارات بكل شجاعة وموضوعية، والاستماع إلى صوت الطلبة والأهالي والمعلمين والمختصين، ودراسة العودة إلى التوجيهي العلمي والأدبي إذا أثبت التقييم أن ذلك هو الخيار الأكثر استقرارًا ومصلحة لأبنائنا ووطننا.
فالأردن الذي نجح في تجاوز الكثير من التحديات ووضع استراتيجيه تنمية الموارد البشريه وتشكلت لجان ملكيه لتطوير التعليم والإستراتيجية الوطنيه لتنمية الموارد البشريه نموذج لتطوير التعليم العام والعالي وكان الأجدر برأيي أن نركز على تنفيذها خطوه خطوه فالاردن القوي قادر على أن ينجح أيضًا على تطوير التعليم العام والعالي كما ورد في الاستراتيجيه الوطنيه لتنمية الموارد البشريه يحظى بثقة المجتمع،دون ردود فعل سلبيه ويخدم الجامعات، ويرتبط بسوق العمل، ويحافظ على أموال الأسرة الأردنية.
نحن مع التطوير… ولكن التطوير الذي يقنع الناس، ويخدم الطلبة، ويحفظ أموال الأسر، ويعزز جودة التعليم، ويصنع مستقبل الأردن ولا ننسى دائما الانجازات والنجاحات فالاردن قصة نجاح والنقد البناء ضروره التطوير والتحديث وقد يؤخذ به وقد لا يؤخذ به وهذا طبيعي وان أخطأت فاعتذر
وتفاءلوا بالخير تجدوه .
حمى الله وطننا الاردن والشعب الاردني وجيشنا العربي المصطفوي وأجهزتها الامنيه بقيادتنا الهاشميه بقيادة جلالة سيدنا الملك عبد الله الثاني المعظم حماه الله وحمى سمو الأمير الحسين ولي العهد الأمين
مصطفى محمد عيروط