الملك فوق البحر قبل السجادة الحمراء
د.حازم قشوع
حين يصل الملك عبدالله الثاني إلى شنغهاي، التي يعني اسمها بالصينية «فوق البحر»، فإنه لا يصل إلى مدينة صينية فحسب، بل إلى واحدة من أهم بوابات الصين على العالم، وإلى مدينة تختصر في صورتها الحديثة مسيرة التحول الصيني من التجارة إلى الصناعة، ومن الصناعة إلى التكنولوجيا، ومن التكنولوجيا إلى الذكاء الاصطناعي وصناعة المستقبل. وتزداد دلالة وجود الملك في شنغهاي كونها تسبق لقاءه بالرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين؛ فالمشهد يبدو وكأنه يبدأ من اقتصاد الصين وشركاتها ومختبراتها، قبل أن ينتقل إلى سياسة الصين وقرارها الاستراتيجي.
شنغهاي مدينة لها تاريخ طويل مع التجارة العالمية. فقد نشأت أهميتها من موقعها على مصب نهر اليانغتسي، وتحولت منذ القرن التاسع عشر إلى ميناء تجاري دولي، ثم أخذت مكانتها تتعاظم مع مسيرة الإصلاح والانفتاح الصينية، حتى أصبحت اليوم مركزًا ماليًا وتجاريًا وصناعيًا وتكنولوجيًا من أهم مراكز العالم...ومن يقف على ضفاف نهر هوانغبو يرى صورتين للصين؛ البوند بمبانيه التاريخية التي تختزن ذاكرة شنغهاي التجارية، وفي المقابل أبراج بودونغ التي تختصر صعود الصين الحديثة، من برج شنغهاي إلى مركز شنغهاي المالي العالمي وبرج جين ماو. لكن شنغهاي اليوم لا تقاس بارتفاع أبراجها، وإنما بما يجري خلف هذه الأبراج من صناعة للمعرفة والتكنولوجيا.
فالمدينة أصبحت مركزًا متقدمًا في الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتصنيع الذكي وأشباه الموصلات والاقتصاد الرقمي، وتسعى إلى تطوير ما يعرف ب "الذكاء المتجسد"
حيث تنتقل الخوارزميات من أجهزة الحاسوب إلى الآلات والروبوتات القادرة على الإدراك والحركة والتفاعل مع الإنسان وهنا تحديدًا تبرز أهمية اللقاءات التي يعقدها الملك مع كبار مسؤولي ومديري الشركات في شنغهاي.
فالملك لا يلتقي رجال الأعمال باعتبارهم مجرد مستثمرين، وإنما يلتقي صنّاع التكنولوجيا والاقتصاد الجديد أولئك الذين يمتلكون جزءًا من أدوات المستقبل وعقولها وهذا ما جعله يرافق "الاميره سلمى فارسة غزه هاشم " والامير هاشم سمي هاشم بن عبد مناف حامل لواء الاصاله والمعاصره لتكون الجوله الملكيه ولقاءتها تحمل رمزية افاق المستقبل وهذا
ما جعلها تجوب حواضر الذكاء الاصطناعي وتذهب تجاه الروبوتات والصناعة المتقدمة والنقل الذكي والطاقة والتقنيات الرقمية...وهى اللقاءات التى تبحث الاردن عبرها عن فرصة مهمة لإعادة تعريف علاقته الاقتصادية بالصين. فالمطلوب ليس فقط زيادة حجم التجارة أو استقطاب استثمارات تقليدية، وإنما الانتقال إلى بحر الشراكة الإنتاجية والمعرفية؛ بحيث تصبح الشركات الصينية شريكًا في بناء قطاعات جديدة داخل الأردن، ونقل التكنولوجيا، وتأهيل الكفاءات، وإنشاء مراكز للبحث والتطوير، وربط الصناعة الأردنية بسلاسل الإنتاج العالمية...
الأردن يمتلك ما تحتاجه هذه الشركات: الموقع، والاستقرار، والموارد البشرية، والقدرة على الوصول إلى الأسواق العربية، إضافة إلى العقبة باعتبارها بوابة بحرية يمكن أن تكون جزءًا من منظومة لوجستية إقليمية.وفي المقابل، تمتلك الصين ما يحتاجه الأردن في المرحلة المقبلة: التكنولوجيا، والخبرة الصناعية، ورأس المال، والقدرة على بناء المشروعات الكبرى.
ومن هنا يمكن أن تتشكل معادلة جديدة: يصبح فيعا الأردن منصة إقليمية، والصين قاعدة تكنولوجية وصناعية..
وإذا نجحت هذه المعادلة، فإن العلاقة لن تبقى في إطار المستورد والمصدّر، وإنما تنتقل إلى الإنتاج المشترك، والتكنولوجيا المشتركة، والأسواق المشتركة وهذا هو المعنى الأوسع لدبلوماسية الملك الاقتصادية. فالسياسة اليوم لم تعد منفصلة عن الاقتصاد، والاقتصاد لم يعد منفصلًا عن التكنولوجيا. والدول التي تمتلك التكنولوجيا تمتلك جزءًا أساسيًا من قدرتها على التأثير في النظام الدولي ولهذا فإن
لقاء الملك مع الشركات في شنغهاي قبل لقائه الرئيس شي في بكين يحمل دلالة لافتة حيث تمثل شنغهاي عقل الاقتصاد الصيني، وبكين تمثل عقل القرار الصيني.
ومن الطبيعي أن يبدأ الحوار من الشركات والمشروعات والاستثمار، ثم يرتقي إلى مستوى القيادة السياسية، حتى تصبح المصالح الاقتصادية قاعدة للعلاقات الاستراتيجية.
وهنا يمكن للأردن أن يقدم نفسه للصين ليس كسوق صغيرة، وإنما كبوابة إلى المنطقة العربية، ومركز للخدمات واللوجستيات والتكنولوجيا والصناعات الموجهة للأسواق الإقليمية.
وهذا يتطلب من الأردن أن ينظر إلى العلاقة مع الصين بعقلية مختلفة عقلية لا تكتفي بجذب المال، وإنما تبحث عن جذب المعرفة، ولا تكتفي بإقامة المشاريع، وإنما تعمل على بناء منظومات إنتاج، ولا تكتفي باستيراد التكنولوجيا، وإنما تسعى إلى توطينها وتطويرها.فالاستثمار الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي ليس في الآلة وحدها، وإنما في الإنسان الذي يفهم الآلة ويطورها ويعيد إنتاج المعرفة من خلالها ومن هنا تكتسب زيارة الملك إلى شنغهاي بعدها الاستراتيجي؛ إنها ليست زيارة إلى مدينة اقتصادية كبرى فحسب، بل قراءة مباشرة للصين التي تتحول من مصنع العالم إلى مختبر العالم لكن المشهد لا يتوقف عند شنغهاي حيث مدينة فوق البحر التى بدات ان تكون ذات علوم غائره فى الهندسة المعرفية .
فبعد أن يبدأ الملك من "فوق البحر" حيث الميناء والتجارة والشركات والتكنولوجيا، ينتقل إلى بكين، حيث الدولة والقرار والسياسة والاستراتيجية. وهناك تتخذ الزيارة شكلها الرسمي، وتبدأ مراسم زيارة الدولة على السجادة الحمراء؛ فيتحول المشهد من لغة الاقتصاد إلى لغة الدولة، ومن حركة الأسواق إلى ثقل العلاقات السياسية...وهنا تصبح المسافة بين شنغهاي وبكين أكثر من مسافة جغرافية؛ إنها مسافة رمزية بين اقتصاد يصنع المستقبل، وقرار سياسي يرسم اتجاهه.
فالملك في شنغهاي لا يبحث فقط عن استثمار جديد، وإنما
عن موقع للأردن في اقتصاد المستقبل، ولا يذهب إلى بكين فقط لبحث العلاقات السياسية، وإنما ليضع ما بدأته الشركات والمصالح الاقتصادية في إطار استراتيجي أوسع وبين شنغهاي وبكين تكتمل الصورة و من شنغهاي تبدأ لغة الشراكة،وفي بكين تُترجم إلى استراتيجية؛ ومن فوق البحر يبدأ المسار، وعلى السجادة الحمراء يكتمل المشهد.
وهكذا تبدو زيارة الملك إلى الصين رسالة باتجاهين للأردن لاسيما وأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى اقتصاد معرفي وإنتاجي وكما تحمل رسالة لصين بأن الأردن يريد أن يكون شريكًا في صناعة المستقبل، لا مجرد مستهلك لتكنولوجيا المستقبل من شنغهاي او من فوق البحر، تبدأ لغة الشراكة وفي بكين التى تعنى العاصمة الشمالية حيث يمشي الملك على السجادة الحمراء، تبدأ مرحلة ترجمتها لاستراتيجية عمل تفتح افق للاستثمار وافاق للدور والتنمية .