عجز نقابة المهندسين عن الوفاء بالتزاماتها!!

د. أيوب أبودية
إن الحقوق التقاعدية ليست منحة تمنحها النقابة متى شاءت، وليست تبرعاً يخضع للظروف المالية، بل هي حقوق مالية نشأت نتيجة اقتطاعات إلزامية دفعها المهندسون طوال حياتهم المهنية، على أساس عقد قانوني وأخلاقي بين العضو وصندوق التقاعد.

ولذلك، فإن أي تأخير طويل أو توقف عن صرف هذه المستحقات لا يمثل مجرد أزمة مالية، بل يثير سؤالاً قانونياً بالغ الخطورة: ماذا يحدث عندما تعجز مؤسسة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه أصحاب الحقوق؟

إن المهندس المتقاعد لا يستطيع أن يطلب من الصيدلية تأجيل ثمن الدواء، ولا من شركة الكهرباء تأجيل دفع الفاتورة، ولا من مالك المنزل تأجيل الإيجار. والأرملة التي فقدت زوجها المهندس لا تستطيع أن تخبر أبناءها أن الطعام سيتأخر لأن راتب التقاعد لم يصل. إن الحياة لا تنتظر، والكرامة الإنسانية لا تؤجل.

والسؤال الذي يفرض نفسه هو: إذا كانت النقابة تمتلك أموالاً منقولة، وعقارات، وأراضي، واستثمارات تراكمت عبر عقود من مساهمات أعضائها، فلماذا لا توضع جميع هذه الأصول على طاولة الحلول؟ أليست هذه الممتلكات قد أنشئت أصلاً لخدمة المهندسين؟ وإذا تعارض الاحتفاظ بالأصول مع بقاء المتقاعدين بلا دخل، فأيهما أولى بالحماية: الحجر والتراب أم الإنسان؟

إن أي إدارة مالية رشيدة تجعل الوفاء بالالتزامات المستحقة اولوية قبل التوسع في الاحتفاظ بالأصول غير المنتجة. فلا قيمة لعقار مرتفع الثمن إذا كان صاحبه الحقيقي، وهو عضو النقابة، عاجزاً عن شراء دوائه أو إعالة أسرته.

ومن هنا يبرز سؤال قانوني لا يجوز تجاهله: إذا ثبت أن أي مؤسسة أصبحت عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها الأساسية، فهل تبقى إدارتها على حالها، أم ينبغي اللجوء إلى القضاء لفرض الآليات القانونية الكفيلة بحماية أصحاب الحقوق العمالية؟

ففي العديد من الأنظمة القانونية، عندما تصبح الجهة مدينة وعاجزة عن السداد، يتدخل القضاء لتعيين إدارة مستقلة أو أمين يتولى حصر الموجودات، وإدارة الأصول، والتصرف فيها وفق القانون، مع إعطاء الأولوية لسداد الدائنين وأصحاب الحقوق. وليس الهدف معاقبة المؤسسة، بل إنقاذ الحقوق قبل أي اعتبار آخر.
وإذا كانت القوانين النافذة لا تجيز إخضاع النقابات المهنية لإجراءات الإعسار أو الإفلاس بالمعنى التقليدي، فإن ذلك يطرح ضرورة البحث عن آلية قضائية أو تشريعية تحقق النتيجة ذاتها، بالتعاون مع النقابة نفسها التي لا نشك بحسن نواياها اطلاقا، ولكن لا بد من حماية حقوق المتقاعدين ومنع استمرار العجز المالي. فسيادة القانون تعني ألا توجد مؤسسة، مهما كانت مكانتها، خارج دائرة المساءلة عندما يتعلق الأمر بحقوق الناس المالية.

لقد بنى هؤلاء المهندسون الجسور والسدود والطرق والمستشفيات والمصانع، وأسهموا في نهضة الأردن لعقود طويلة. واليوم لا يطلبون معروفاً من أحد، بل يطالبون بحقوقهم التي دفعوا ثمنها من رواتبهم شهراً بعد شهر.

إن بقاء الأزمة دون حل يهدد الثقة ليس بصندوق التقاعد وحده، بل بفكرة التقاعد نفسها. فكل مهندس شاب يقتطع جزءاً من دخله اليوم سيتساءل: هل سأجد غداً ما وُعدت به بعد أربعين عاماً من العمل؟

إن المطلوب اليوم ليس البيانات المطمئنة، بل كشفٌ كامل للحسابات، وخطة إنقاذ محددة بزمن، تتضمن دراسة جميع الخيارات القانونية والمالية، بما فيها التصرف بجزء من الأصول إذا اقتضت الضرورة، وفرض أي آلية قانونية تكفل حماية حقوق المتقاعدين.

فالقاعدة التي تقوم عليها دولة القانون بسيطة وواضحة: عندما تعجز أي مؤسسة عن الوفاء بالتزاماتها، فإن الأولوية ليست لحماية ممتلكاتها، بل لحماية حقوق الناس. فالرواتب هي أول ما يسدد في حال الاعسار، وحال راتب التقاعد ينبغي أن يكون كذلك، أما الأصول فيمكن تعويضها مستقبلاً، لكن كرامة الإنسان إذا أُهدرت، فإن استعادتها أصعب بكثير. 

ختاما، نناشد الاساتذه من المحامين المشاركة في الحوار وتصحيح ما أخطأنا به قانونيا، وإضافة ما غفلنا عنه بحكم محدودية معرفتنا بهذا الموضوع، لعل ذلك يسرع في حل مشكلة رواتب التقاعد لدى المهندسين الذين أشاد العالم بهم  مؤخرا بأن نسبة عدد المهندسين للسكان في الاردن من أعلى النسب في دول العالم، فهناك مهندس لكل أربعين مواطنا.