هل نحتاج إلى مراجعة مسار الإصلاح السياسي؟
عماد عبدالقادر عمرو
في كل تجربة إصلاح سياسي جادة، تأتي لحظة لا بد فيها من التوقف قليلاً، والنظر بموضوعية إلى ما تحقق، وما لم يتحقق، وما إذا كانت النتائج تتناسب فعلاً مع حجم الطموح الذي انطلقت منه التجربة.
والأردن اليوم أمام مثل هذه اللحظة.
فبعد سنوات من العمل على منظومة الإصلاح السياسي، وإقرار قانون انتخاب جديد وإفساح مساحة أكبر للعمل الحزبي داخل مجلس النواب، بدأت تظهر أسئلة مشروعة لا يجوز التعامل معها باعتبارها رفضاً للإصلاح.
هل سيتم تعديل قانون الانتخاب في المرحلة المقبلة؟
وهل نحن جاهزون للانتقال إلى مرحلة ترتفع فيها حصة المقاعد الحزبية في القائمة الوطنية وصولاً إلى 63 مقعداً؟
وهل نجحت الأحزاب حتى الآن في بناء الثقة المطلوبة لدى المواطن، أم أن حضورها ما زال محدوداً، فيما بقيت الاعتبارات العشائرية والمناطقية والاجتماعية أكثر تأثيراً في خيارات الناخب؟
هذه ليست أسئلة ترف سياسي، وإنما أسئلة مرتبطة بمستقبل التجربة الإصلاحية نفسها.
فالمواطن لا يقيس الإصلاح بعدد القوانين التي أُقرت، وإنما بما يراه ويسمعه ويشعر به. ومجلس النواب هو الاختبار الحقيقي.
الأداء البرلماني.. الاختبار الأصعب
لا يمكن تجاهل أن أداء مجلس النواب الحالي ترك لدى شريحة واسعة من المواطنين انطباعات سلبية، نتيجة ضعف بعض الطروحات، وغياب العمق في مناقشة عدد من الملفات، والانشغال أحياناً بقضايا لا تتناسب مع حجم التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع.
ولا يعني ذلك التعميم على جميع النواب، فهناك مواقف وأداءات تستحق التقدير، لكن الصورة العامة هي التي تصنع ثقة المواطن.
وهنا تكمن المشكلة.
فإذا كان الهدف من زيادة حضور الأحزاب هو الوصول إلى مجلس نواب أكثر تنظيماً وقدرة على التشريع والرقابة، فمن الطبيعي أن نسأل: هل تحقق ذلك فعلاً؟
وإذا لم يتحقق بالقدر المطلوب، فعلينا أن نبحث عن الأسباب قبل أن نرفع سقف التوقعات وننتقل إلى مرحلة جديدة.
الأحزاب تحتاج إلى وقت.. لكنها تحتاج إلى إقناع المواطن
من الإنصاف القول إن التجربة الحزبية بحاجة إلى وقت حتى تنضج، وأن بناء الأحزاب لقواعد شعبية وبرامج وكوادر سياسية ليس أمراً يحدث بين ليلة وضحاها.
لكن الوقت وحده لا يبني الثقة.
الحزب الذي يريد أن يقنع المواطن بأنه قادر على إدارة الشأن العام عليه أن يثبت ذلك في الميدان، وأن يقدم برنامجاً واضحاً وحلولاً قابلة للنقاش والمساءلة.
المواطن يريد أن يعرف: ماذا سيقدم الحزب للاقتصاد؟ ماذا لديه للبطالة والتعليم والصحة؟ ماذا سيقدم للمحافظات؟ وكيف سيترجم وجوده في البرلمان إلى نتائج؟
هذه هي الأسئلة التي تبني الثقة، لا الشعارات وحدها.
لا يمكن إلغاء الواقع العشائري
ومن الخطأ أيضاً وضع الأحزاب في مواجهة العشائر، وكأن نجاح أحدهما يتطلب إلغاء الآخر.
العشيرة جزء أصيل من التركيبة الاجتماعية الأردنية، وستبقى حاضرة في المشهد العام.
المطلوب ليس إلغاء هذا الواقع، وإنما توسيع خيارات المواطن، بحيث يصبح قادراً على اختيار مرشحه أو حزبه وفق البرنامج والكفاءة إلى جانب اعتبارات الانتماء الاجتماعي.
الإصلاح الناجح لا يلغي واقعاً اجتماعياً قائماً، وإنما يطوره تدريجياً.
قبل 63 مقعداً.. نحتاج إلى تقييم
قد يكون تعديل قانون الانتخاب مطلوباً، وقد لا يكون. لكن السؤال الذي يجب أن يسبق ذلك هو:
هل أجرينا تقييماً حقيقياً للتجربة الحالية؟
كم حزباً استطاع بناء حضور حقيقي خارج موسم الانتخابات؟
كم حزباً يمتلك برنامجاً واضحاً يمكن للمواطن محاسبته عليه؟
هل نجحت الأحزاب في الوصول إلى الشباب والمجتمعات المحلية؟
وماذا تغير فعلياً في أداء البرلمان بعد دخولها؟
هذه الأسئلة ليست ضد الأحزاب، بل هي دفاع عن التجربة الحزبية نفسها.
فالانتقال إلى مرحلة يصبح فيها للتمثيل الحزبي وزن أكبر يجب ألا يكون مجرد استحقاق زمني، وإنما نتيجة تقييم موضوعي لمستوى جاهزية التجربة.
الإصلاح يحتاج إلى شجاعة المراجعة
لا يمكن الحديث عن الإصلاح السياسي في الأردن دون التوقف عند الجهد الملكي الكبير الذي دفع بهذا المسار إلى الأمام، بهدف تحديث الحياة السياسية وتطوير العمل الحزبي وتوسيع المشاركة والوصول تدريجياً إلى حياة برلمانية أكثر نضجاً.
وهذه رؤية تستحق أن تنجح.
لكن نجاحها لا يقاس بعدد التشريعات التي أُقرت، وإنما بالنتائج التي يشعر بها المواطن: نائب أكثر قدرة، وحزب أكثر مسؤولية، وبرلمان أكثر جدية، ونقاش سياسي أكثر عمقاً، وثقة أكبر بالمؤسسات.
لذلك نحن بحاجة اليوم إلى وقفة تقييم، لا وقفة تراجع.
لا نحتاج إلى العودة إلى الوراء، ولا إلى إلغاء ما تحقق، كما لا نحتاج إلى الدفاع عن كل خطوة وكأن مراجعتها تعني الفشل.
إذا أثبتت التجربة أن القانون يحتاج إلى تعديل، فلنعدله.
وإذا كانت الأحزاب بحاجة إلى مزيد من الوقت والتأهيل وبناء قواعدها، فلنأخذ ذلك بعين الاعتبار.
وإذا كان الخلل في أداء النواب أو في آليات العمل السياسي، فعلينا أن نواجه الحقيقة أيضاً.
المهم ألا نخلط بين الإصرار على الإصلاح وبين الإصرار على طريقة واحدة لتنفيذه.
في النهاية، السؤال ليس: هل نريد الإصلاح؟
الإجابة محسومة.
السؤال الحقيقي هو:
هل الطريقة التي نسير بها اليوم هي الأفضل لتحقيق الإصلاح الذي أراده جلالة الملك وتطلع إليه الأردنيون؟
إذا كانت الإجابة نعم، فعلينا أن نستمر بثقة.
وإذا كانت الإجابة لا، فعلينا أن نمتلك شجاعة التصحيح.
فالأردن لا يحتاج إلى تزيين تجربة الإصلاح، بل إلى إنجاحها.
وهذا لن يتحقق إلا عندما تصبح المراجعة والتقييم والمساءلة جزءاً من الإصلاح نفسه، لا تهديداً له.
رئيس مجلس محافظة العقبة سابقاً