هل علينا التوقف عن متابعة كأس العالم لخاطر غزة؟


لا ينكفئ الأوصياء الأخلاقيون ورسامو الشعور المفترض وعرابو التخطيط لما علينا أن نشعر ونفكر عن جلدنا جميعا بسبب متابعة كأس العالم؛ لتشعر وكأنك على مشارف أربعين خريفا في النار، أو ما هو أشد سبيلا.

كيف تتابعون المباراة رغم عدم حضور عشر ٱلاف في المسجد لصلاة الفجر؟
كيف تتابعون المباراة والحرب قائمة؟
كيف تفرحون ونحن في حرب؟
اضبطوا منبه الفجر كما منبه كأس العالم..

تتعاظم عقدة الذنب في نفس الفرد العربي حتى ليحسب أنه من ضيع الأرض وفرط في العرض، بل يرى نفسه في خندق واحد مع عدوه وسافك دمه، كيف لا وقد ولج في الذنب الأعظم واقترف الخطيئة الأشد: تابع كأس العالم !!

أما جواب هذا كله، هو أرضنا المقهورة نفسها، القطاع الصامد الذي يعرف أهله طعم الحياة، ويحاولون نسجها كل صباح رغم القصف والرصاص والمرض واليتم، إلا أن الإرادة هنالك حاضرة، والناس تريد الحياة رغم أنف الموت وكيان الموت الذي لا يعرف عدوا أثبت من الحياة.

يجتمع الأهل في القطاع يوميا بالمئات وسط الركام أمام الشاشات لمتابعة كأس العالم وتشجيع هذا وذاك، فانقسموا بالأمس بين الأرجنتين وانجلترا تشجيعا ومناكفة ودية، لا لأنهم باعوا القضية، ولا لأنهم خون، ولا لأنهم فرطوا بالأرض والدين، فكل العالم متاح للاتهام بهذا إلا هم، لكنهم تابعوا المباريات لأنهم تشربوا مقاومة الموت بالحياة والسعادة، لا باللطميات والمٱتم التي يستلذ العدو برؤيتها فينا.

قبل أيام قليلة، اغتالت براثن الشر المسؤول المباشر عن شاشات العرض هذه، وهو الشهيد محمد الوحيدي، بينما تستلذ بترك الآلاف من دعاة الموت والشؤم وتثبيط المعنويات وتجريم كل جميل، تتركهم لأنهم الحليف الأوثق في رؤيتهم للنكد والموت والبؤس ديدنا ودينا لا يفارقوه، حتى تمسي السعادة كفرا، والتخوين سنة، والإعجاب بأداء لاعب شركا بالله !!

للأسف، لا يفهم محترفو التحريم والتحذير فلسفة الحياة، بل يلاحقوننا مرارا وتكرارا بالتخوين والتقويض والحسبنة واللعن، ولا يعرف واحدهم -رغم حسن نيته وسذاجة سلوكه- أنه سبب لتململ الناس من مناصرة أهلها، فهو بحمقه ينسج غشاء من العتمة والظلام، ويترك واحدنا بين خيارين: الالتزام المفرط ولزوم الظلمة والموت والهم والنكد والبؤس، أو أن يكون في معسكر "الظالمين المعتدين الكافرين".

رأيتهم، رأيتهم بالعشرات يقفزون في القطاع ابتهاجا بفوز الأرجنتين، وهذا حق فردي لا يعيبه إلا جاهل ظالم، فالفرح جوهر الحياة، والحياة هي السبيل للوحيد للصمود أمام ماكينة الشر الخسيسة، والأجدر أن ندفعها جميعا بالحياة والفرح وسبل الصمود، وهذا صنو مع الإعداد المادي والعسكري لو أردنا حربا ونصرا.

نعم، فلنتابع كأس العالم، فلنرفض اعتبار الحياة كفرا، فلندعم صمود الأهل ومعركتهم، وهذا بالخلق والعقل والحياة والإعداد، لا بل باتخاذ الموت والبؤس سبيلا.

يزن عيد الحراحشة.