عودة مجالس المحافظات إلى وزارة الداخلية: رؤية لإصلاح الإدارة المحلية وتعزيز التنمية في المحافظات


عماد عبدالقادر عمرو

تابعت خلال الأيام الماضية النقاشات الدائرة حول مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد، وأعادتني هذه النقاشات إلى سنوات من العمل داخل مجالس المحافظات، وإلى تجربة عشت تفاصيلها بكل ما حملته من نجاحات وتحديات وإخفاقات ودروس مستفادة. لذلك أجد من واجبي أن أقدم رأياً نابعاً من التجربة العملية لا من القراءة النظرية فقط، خاصة أنني كنت وما زلت مؤمناً بأن تطوير الإدارة المحلية لا يكون بإلغاء التجارب أو تجاوزها، بل بالبناء على ما حققته وتصويب ما واجهته من اختلالات.

من وجهة نظري، فإن النقاش الحقيقي اليوم لا يتعلق فقط بشكل المؤسسة أو تبعيتها الإدارية، بل بالسؤال الأهم: كيف نريد أن تُدار التنمية في المحافظات الأردنية؟ ومن يمتلك القرار التنموي؟ وكيف نضمن مشاركة المواطنين في رسم أولويات مناطقهم؟ وكيف نحقق التوازن بين التخطيط والتنفيذ والرقابة؟

بعد سنوات من التجربة، أعتقد أن الإشكال لم يكن في فكرة مجالس المحافظات ذاتها، بل في طريقة إدماجها داخل المنظومة الإدارية، وفي تداخل الصلاحيات أحياناً، وغياب الوضوح الكافي في العلاقة بين الجهات التي تخطط والجهات التي تنفذ. ولهذا فإنني أرى أن إعادة مجالس المحافظات إلى مظلة وزارة الداخلية وفق الفلسفة التي قامت عليها تجربة اللامركزية في قانون عام 2017 تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، شريطة الحفاظ على جوهر التجربة القائم على الانتخاب المباشر من المواطنين، وأن يتولى إدارة المجلس رئيس منتخب يمتلك الشرعية الشعبية والصلاحيات اللازمة لقيادة العمل التنموي على مستوى المحافظة.

هذا الطرح لا يستهدف العودة إلى الوراء، ولا ينتقص من دور أي مؤسسة، بل يهدف إلى إعادة ضبط العلاقة بين المؤسسات المختلفة بما يحقق وضوح الأدوار وتكاملها. فالبلديات كانت وما زالت مؤسسات خدمية وتنفيذية وتنموية تشكل الذراع الأقرب للمواطن، وهي الجهة الطبيعية لتنفيذ المشاريع وإدارة الخدمات اليومية. أما مجالس المحافظات فقد أُنشئت لتكون جهة تخطيط وتنمية وتمويل ورقابة وليس متابعة فقط، تتولى تحديد الأولويات وإقرار المشاريع وتوزيع المخصصات الرأسمالية ومتابعة تنفيذ المشاريع وفق احتياجات المحافظات ومناطقها المختلفة بالتعاون الوثيق مع المحافظة من خلال وحدة التنمية.

وبحسب ما لمسته خلال التجربة، فإن الخلط بين هذين الدورين كان أحد أسباب الإرباك الذي رافق العمل في بعض المراحل. فالبلديات بطبيعتها مؤسسات تنفيذية، بينما تحتاج التنمية على مستوى المحافظة إلى جهة تنظر إلى الصورة الكاملة وتتعامل مع المحافظة كوحدة واحدة. ومن هنا أرى أن وجود مجالس المحافظات ضمن مظلة وزارة الداخلية أكثر انسجاماً مع طبيعة دورها، لأن وزارة الداخلية تتعامل مع المحافظة كوحدة إدارية وتنموية متكاملة وتنسق بين مختلف مؤسسات الدولة على المستوى المحلي.

ولا أعتقد أن هذا الطرح يخرج عن التجارب الدولية الناجحة، فهناك نماذج معروفة في دول مثل المغرب وفرنسا تقوم على وجود دور محوري لوزارة الداخلية في إدارة العلاقة مع مستويات الحكم المحلي والإقليمي، ضمن معادلة تجمع بين اللامركزية والرقابة المؤسسية للدولة وتحافظ في الوقت نفسه على فاعلية القرار المحلي.

ولعل ما يدفعني أكثر للحديث اليوم هو الصورة التي قُدمت بها تجربة مجالس المحافظات خلال الفترة الماضية. فقد سمعنا كثيراً عن الإخفاقات والتحديات، لكننا لم نسمع بالقدر ذاته عن الظروف التي عملت فيها المجالس، أو عن حجم التحديات التشريعية والإدارية التي واجهتها منذ تأسيسها. وفي تقديري، لم تنل التجربة حقها من التقييم الموضوعي القائم على الأرقام والحقائق.

كنت أتمنى، بعد حل المجالس، أن يتم نشر تقرير وطني شامل يتضمن نسب الإنجاز الفعلية، وحجم المخصصات، وعدد المشاريع التي أُقرت ونُفذت، والمشاريع التي تعثرت وأسباب تعثرها، حتى يتمكن الرأي العام من الحكم على التجربة بصورة عادلة. فالتقييم الحقيقي يجب أن يقوم على البيانات لا على الانطباعات، وعلى النتائج لا على المواقف المسبقة.

كما كنت أتمنى أن يتم التعامل مع الأرقام بشفافية كاملة، خصوصاً فيما يتعلق بالإنفاق. فمن غير المنصف احتساب المناقلات المالية التي خُصصت لسداد
المديونية لبعض البلديات ضمن مؤشرات الإنجاز التنموي، لأن هذه المبالغ لا تمثل مشاريع جديدة ولا تعكس أثراً تنموياً مباشراً. ولذلك فإن أي قراءة مهنية للتجربة يجب أن تميز بوضوح بين الإنفاق التنموي الفعلي وبين التسويات المالية ومعالجة الديون، حتى تكون الصورة واضحة أمام المواطنين وصناع القرار على حد سواء.

ومن القضايا التي أرى أنها لم تحظ بالنقاش الكافي أيضاً، موضوع الصلاحيات والعلاقة بين المجالس والجهات التنفيذية. فقد واجهت المجالس في بعض الأحيان تحديات مرتبطة بآليات نقل الصلاحيات أو تفويضها، الأمر الذي انعكس على سرعة تنفيذ بعض المشاريع. ومن واقع التجربة، لم يكن التعثر دائماً نتيجة ضعف القرار التنموي، بل نتيجة غياب الوضوح في مسار القرار بين من يقر المشروع ومن يتولى تنفيذه. لذلك فإن أي إصلاح مستقبلي يجب أن يعالج هذه المسألة بشكل واضح، وأن يضع إطاراً قانونياً وإدارياً يحدد المسؤوليات والصلاحيات بصورة لا تحتمل الاجتهاد أو التداخل.

وفي الوقت ذاته، لا أرى أن الحل يكمن في التوسع بالتعيين أو في استبدال الإرادة الشعبية بأشكال أخرى من التمثيل. فكلما اتسعت مساحة الانتخاب المباشر، اتسعت معها مساحة المشاركة والمساءلة وتعززت ثقة المواطنين بالمؤسسات المحلية. أما التوسع في التعيين فإنه يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول معايير الاختيار واستقلالية القرار المحلي، وقد يؤدي عملياً إلى نقل مركز القرار من المجالس إلى الجهات التي تمتلك سلطة التعيين.

كما أن الاعتماد على الانتخاب غير المباشر من خلال بعض الهيئات أو القطاعات، رغم أهمية تلك الجهات ودورها الوطني، لا يمكن أن يشكل بديلاً عن التمثيل الشعبي المباشر، لأن قاعدة المشاركة فيها تبقى محدودة مقارنة بمجموع سكان المحافظة. ولهذا أعتقد أن الحفاظ على الانتخاب المباشر لمجالس المحافظات ورؤسائها يمثل أحد أهم المكاسب الديمقراطية التي ينبغي البناء عليها لا التراجع عنها.

وفي المقابل، فإن الاستفادة من الخبرات والكفاءات أمر لا غنى عنه. ومن هنا جاءت فكرة إنشاء مجلس استشاري فني تطوعي يضم ممثلين عن النقابات المهنية والجامعات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني وأصحاب الاختصاص، بحيث يقدم الرأي الفني والمشورة للمجلس المنتخب دون أن يحل محل الإرادة الشعبية أو ينتقص من صلاحياتها. وهذه الصيغة، برأيي، تحقق التوازن المطلوب بين الخبرة الفنية والشرعية الشعبية.

ومن المشاريع التي أعتز بأنها خرجت من رحم تجربة مجالس المحافظات مشروع إنشاء مركز تدريب الإدارة المحلية في العقبة.
وأذكر جيداً حجم الجهد الذي بُذل في هذا المشروع منذ بداياته، وحجم التواصل الذي جرى مع مختلف مجالس المحافظات في المملكة لإقناعها بالمشاركة فيه. لم يكن المشروع مشروعاً خاصاً بالعقبة، بل كان مشروعاً وطنياً مشتركاً يستهدف جميع المحافظات.

وقد حظي المشروع بدعم من وزارة الإدارة المحلية آنذاك، وتم تخصيص الأرض له وإجراء فحوصات التربة ورصد المخصصات الأولية والبدء بالدراسات الهندسية. وكانت الرؤية تقوم على إنشاء مركز وطني متخصص لتدريب وتأهيل المنتخبين في مجالس المحافظات والبلديات والكوادر الإدارية والفنية في قطاع الإدارة المحلية، إضافة إلى خدمة موظفي القطاع العام، خصوصاً في محافظات الجنوب التي تفتقر حتى اليوم إلى مركز تدريب حكومي متخصص ومتكامل.

وبرأيي، فإن هذا المشروع كان ينسجم بشكل مباشر مع مسار الإصلاح الحكومي الشامل الذي يقوده جلالة الملك عبدالله الثاني، والهادف إلى تطوير الإدارة العامة ورفع كفاءة المؤسسات والاستثمار في العنصر البشري. ولذلك فإن إعادة إحياء هذا المشروع يجب أن تكون جزءاً من أولويات المرحلة المقبلة، لأنه استثمار في بناء القدرات لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية والمشاريع الرأسمالية.

كما أعتقد أن مستقبل التنمية المحلية يتطلب التوسع في الشراكات بين البلديات والقطاع الخاص في عدد من المشاريع والخدمات التي يمكن تطويرها وفق أسس اقتصادية مستدامة، بما يسهم في تحسين جودة الخدمات وتوفير التمويل واستقطاب الخبرات وتخفيف الضغط على الموازنات العامة، مع المحافظة على الدور الرقابي للدولة وضمان حماية المصلحة العامة.

وفي ضوء كل ما سبق، أرى أن مشروع قانون الإدارة المحلية بصيغته المتداولة حالياً لا يلبي الطموح الذي تشكل خلال السنوات الماضية في مسار التحديث السياسي والإداري. فالإصلاح الحقيقي يقاس بقدرته على توسيع المشاركة الشعبية وتعزيز المساءلة وتمكين المجتمعات المحلية من المشاركة الفعلية في صناعة القرار التنموي، لا بتقليص هذه المساحات أو استبدالها بأشكال تمثيل أقل ارتباطاً بالإرادة الشعبية المباشرة.

قد نختلف حول بعض تفاصيل التجربة، وقد تتباين الآراء حول أفضل السبل لتطوير الإدارة المحلية، لكنني ما زلت أؤمن أن المحافظات الأردنية تستحق نموذجاً أكثر وضوحاً وفاعلية وقدرة على الاستجابة لاحتياجات الناس. وأرى أن إعادة مجالس المحافظات إلى وزارة الداخلية، مع الحفاظ على الانتخاب المباشر، وتوضيح الصلاحيات، وتعزيز الشفافية، والاستثمار في التدريب وبناء القدرات، وتفعيل الشراكة مع المجتمع المحلي والقطاع الخاص، تمثل مدخلاً حقيقياً لتطوير التجربة لا هدمها.

وفي النهاية، فإن المواطن في العقبة أو معان أو الطفيلة أو الكرك أو إربد لا ينتظر نقاشاً قانونياً مجرداً، بقدر ما ينتظر مشروعاً يُنجز، وخدمةً تتحسن، وفرصةً تُخلق، وتنميةً يشعر بها في حياته اليومية. وهذا يجب أن يبقى معيارنا الأول والأخير عند مناقشة أي قانون أو أي إصلاح إداري، لأن الغاية النهائية ليست تعديل النصوص، بل تحسين حياة الناس وتحقيق تنمية عادلة ومستدامة في جميع محافظات المملكة.