القدس بين الشرعية الدولية وسياسة فرض الوقائع

د. خالد العاص
لم تعد القضية في القدس تقتصر على خلاف سياسي حول ترتيبات إدارية أو حدود، بل تحولت إلى صراع أعمق يتعلق بطبيعة المدينة وهويتها التاريخية والدينية والقانونية؛ فمع استمرار الإجراءات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، تتزايد المخاوف من أن يكون ما يجري جزءًا من سياسة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع على الأرض بما يتجاوز حدود النزاع التقليدي، وصولًا إلى فرض معادلات جديدة يصعب التراجع عنها مستقبلاً.
في جوهر المسألة، يبرز التناقض بين منطق القانون الدولي ومنطق القوة؛ فالقواعد القانونية الدولية التي تنظم أوضاع الأراضي المحتلة تقوم على مبدأ عدم جواز تغيير الوضع القانوني أو الديموغرافي للأراضي الواقعة تحت الاحتلال، باعتبار أن الاحتلال حالة مؤقتة لا تمنح سلطة دائمة على الأرض أو السكان. غير أن الواقع الميداني يشير إلى استمرار سياسات الاستيلاء على العقارات والأراضي والأوقاف، بما في ذلك ممتلكات تعود لفلسطينيين وأردنيين، الأمر الذي يثير تساؤلات متزايدة حول فعالية المنظومة الدولية في حماية الحقوق التي تكفلها المواثيق والاتفاقيات الدولية.
لكن التحدي لا يتوقف عند البعد القانوني أو العقاري، بل يمتد إلى معركة الهوية ذاتها؛ فالقدس ليست مجرد مدينة في الحسابات السياسية، بل تمثل مركزًا دينيًا وتاريخيًا وثقافيًا للعرب والمسلمين والمسيحيين. ولذلك فإن أي تغيير يطال طابعها الثقافي أو مؤسساتها أو مقدساتها يُنظر إليه باعتباره محاولة لإعادة صياغة هوية المدينة، وإعادة تعريف روايتها التاريخية بما يخدم وقائع سياسية جديدة.
وفي هذا السياق، تبرز الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية بوصفها أكثر من مجرد مسؤولية دينية أوإدارية؛ فهي تمثل أحد آخر الأطر السياسية والقانونية التي تحافظ على الوضع التاريخي القائم في القدس. وتنبع أهمية هذه الوصاية من كونها تشكل عنصر توازن في مدينة تتعرض لضغوط متواصلة لإعادة تشكيل هويتها ومؤسساتها. كما أنها تمنح الأردن دورًا محوريًا في ملف القدس يتجاوز حدوده الجغرافية، ويجعله طرفًا رئيسيًا في أي نقاش يتعلق بمستقبل المقدسات أو الوضع النهائي للمدينة؛ لذلك، فإن الجدل حول الوصاية لا يتعلق بإدارة الأماكن المقدسة فحسب، بل يرتبط أيضًا بالصراع على الشرعية القانونية والسياسية في القدس، وبالسؤال الأوسع المتعلق بمن يمتلك حق حماية طابع المدينة التاريخي والحفاظ على مرجعياتها المعترف بها دوليًا.
كما أن المخاوف المرتبطة بإدارة المسجد الأقصى لا تنفصل عن التطورات الميدانية المتسارعة، سواء ما يتعلق بالإجراءات المفروضة على الحراس والعاملين أو ما يثار حول الحفريات والأنفاق في محيطه وأسفله. فهذه القضايا تتجاوز بعدها الأمني أو الفني لتلامس واحدة من أكثر القضايا حساسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهي قضية السيادة الرمزية والدينية على القدس.
في النهاية، تبدو القدس اليوم أكثر من مجرد بؤرة نزاع سياسي؛ إنها ساحة مواجهة بين مشروعين: مشروع يسعى إلى تكريس وقائع جديدة عبر الزمن، ومشروع يتمسك بالمرجعيات القانونية والتاريخية القائمة. وبين هذين المسارين، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ما زالت الشرعية الدولية قادرة على حماية هوية القدس ووضعها القانوني، أم أن المدينة تتجه نحو مرحلة يُعاد فيها رسم مستقبلها وفق موازين القوة أكثر من قواعد القانون؟