استقلال 80 .. "المقر بيت العرب"

د. حازم قشوع

في لحظةٍ وطنيةٍ تتكامل فيها رمزية الدولة مع عمق رسالتها، ويغدو المكان شاهدًا على المعنى قبل أن يكون إطارًا له، يبرز "المقر" بوصفه أكثر من عنوانٍ إداري، بل كيانًا سياديًا نابضًا، تختصر جدرانه حكاية وطن، وتُجسّد ساحاته صورة العلاقة الفريدة بين القيادة والشعب. ففي الأردن، لا يُقاس الحضور بالموقع، بل بالأثر، ولا تُختزل الدولة في مؤسساتها، بل في قدرتها على صناعة الثقة وترسيخ الانتماء. ومن هنا، يغدو "المقر" عنوانًا للبيت الكبير، ومرآةً لرسالةٍ هاشميةٍ متصلة
، تمتد من عمق التاريخ إلى أفق المستقبل.

المقر هو الاسم العام للديوان الملكي الهاشمي، وهو البيت الذي يؤمّه الأردنيون في كل الاحتفالات وفي أغلب المناسبات، والذي أخذ يشكّل منزل أمان لكل أردني، ومقامًا مجيبًا لكل طالب سؤال، ومرجعًا صحيحًا لأي استفسار. كما يشكّل في نهجه العرين الحاني لكل محتاج أو طالب حاجة، وهذا ما جعل من المقر يرسم صورة مميزة وعنوانًا منيرًا لدى كل الأردنيين، مجسّدًا بأذهانهم تلك الصورة البليغة التي تربط الأب القائد مع أسرته، وتبيّن مدى قرب الحاضرة الهاشمية من الحاضنة الشعبية.

وقد تجلّى ذلك عبر علاقة متينة يصعب فكّها أو الانفكاك من حولها، لاسيما وهي تشاطرهم دائمًا أفراحهم، وتقف معهم في أتراحهم، وتقوم على رعايتهم والعناية بمصالحهم بمسؤولية ممزوجة بالحنو الأبوي، عزّ نظيرها في المجتمعات العربية وحتى في الدول المتقدمة. وهذا ما جعل الأطفال، عند سؤالهم عن الأردن، يقولون: "نحن الأردن"، وعند سؤالهم عن مكانة الملك لديهم يقولون: "نحن الملك ونحن ابناءه ".

وقد لا تجد منزلًا من منازل الأردنيين إلا وتجد صورة الملك تتوسط فيه يتباهى بها بين أقرانه، حتى أصبح الملك ضيف الشرف الحاضر في كل بيت، وصورته تزيّن كل منزل برمزية القائد، كما تحيط بها صور أبناء المنزل. وهذا ما يبيّن علاقة الأردنيين بقائدهم، ويظهر مدى التصاقهم بحاضرتهم الهاشمية التي يشكّل عنوانها "المقر".

حيث تعود تسمية "المقر" بهذا الاسم منذ نشأة الدولة، كونه يمثل مقر الحكم الرئيس، كما يشكّل مقر مؤسسة العرش، وحلقة الوصل الأساسية بين جلالة الملك والمواطنين ومؤسسات الدولة. ومن المقر تصدر الإرادات الملكية التي تشرعن القوانين والقرارات، وتجيز الأنظمة والتشريعات، الأمر الذي جعل من المقر، على مدى عمر الدولة، يجسّد الحاضرة الهاشمية ومنطلقات رسالتها.

وهو يقوم على التواصل والوصل، ويسعى لتأمين الروابط الرسمية وتوثيق العلاقات الشعبية، عبر رعاية الشأن الأردني العام، ليكون المواطن مرتبطًا بحاضرته الهاشمية. وهذا ما جعل من عنوان الديوان الملكي الهاشمي يشكّل رمزية للوحدة الوطنية، وهو ينفّذ منهجية عمله القائمة على: "رعاية، وعناية، وحماية" بصورة مقدّرة، يرنُو الجميع إلى حاضرته باعتبارها بوابة السلم وبيان الأمان.

ولأن الوطن، في مفهومه الضمني، هو جغرافيا ورسالة فإن رسالته تبيّنها منطلقاته المبدئية، وتشكلها ألوان علمه بكل ماهيتها الحضارية ومسيرتها التاريخية والقيمية. وهذا ما تبينه ألوان العلم الأردني، الذي يظهر حاضرة العرب بحكمهم التليد، كما تجسّد نجمة المثاني في صدره عنوانًا للمقر ومركز إشعاع للعرب.

وقد حرص رئيس الديوان الملكي الهاشمي، يوسف العيسوي، أثناء لقائه مبادرة "أردن الرسالة" في مناسبة يوم العلم، على بيان رسالة الدولة ومنطلقاتها، حين قال إن مقر بيت الأردنيين أخذ يشكّل مقر بيت العرب، كل العرب. وهو ما يأتي منسجمًا مع منطلقات رسالة الثورة العربية الكبرى، التي تطلق إشعاعها للعرب، وتعمل لأجلهم، وتقوم على حماية موروثهم، وتنهض بمسؤولية في بيان وحدتهم.

كما تمضي القيادة الهاشمية منذ انطلاق ثورتها للدفاع عن العرب وقضاياهم، وهو ما يعبّر عنه جلالة الملك في كل مناسبة، ويحمله الجيش العربي بالرمزية والمضمون كعقيدة ثابتة لصون مسيرة العرب والدفاع عن قضيتهم المركزية، وتاجها في بيت المقدس بوصايتها الهاشمية، التي قدّمت رسالة تاريخية في صون الأديان في حاضرة بيت المقدس، عبر نموذج التعايش الديني. كما تعمل من "أجل إنسنة المواطنة العربية"، ليكون النهج العربي نهجًا موصولًا أدبيًا وثقافيًا، كما هو منطوقه معرفيًا وقيميًا وهذا ما جعل من حال لسانه يقول ؛
هنا المقرُّ… هنا المعنى إذا اتّقدا
هنا العروبةُ في أبوابِهِ امتددا
بيتُ الأردنيينَ… إن ضاقتْ مسالكُهم
كان الحضنَ، وكان العهدَ والسندا
منهُ الملوكُ بنوا للمجدِ قاعدَةً
فصارَ بيتُ العربِ الراسخَ الأبدا
فيه الوصايةُ تاريخٌ نُجدّدُهُ
وفيه عهدُ الوفاءِ الحقُّ ما بردا
وستبقى الراية الهاشمية، من منطلق المقر، تدعم كل جهد عربي خير يستهدف وحدة الصف العربي، ويسهم في بناء حالة ذاتية عربية قادرة على الدفاع عن ذاتها، وصون مكتسباتها، وحماية منجزاتها. كما تعمل من أجل السلام لإحقاقه، وتسعى إلى إشاعته ليعمّ السلم على المعمورة، منطلقة في ذلك من إيمانها الراسخ بالله، ومن القيم الإنسانية التي جاءت بها الكتب السماوية، من أرض مهد الحضارات، مبشّرة بالخير والسلم الأهلي عبر رسالة السلام من حيث المقر .

وهكذا، يظل "المقر" ليس مجرد عنوانٍ لمؤسسة، بل عنوانًا لدولة، ومنارةً لرسالة، وبيتًا للعرب جميعًا، كما أرادته القيادة الهاشمية أن يكون: فضاءً جامعًا، ومرتكزًا للثوابت، ومنطلقًا للفعل العربي المسؤول. ومنه تستمر الحكاية الأردنية في نسج خيوطها بين الأصالة والتجديد، وبين الرسالة والإنجاز، لتؤكد أن الأردن، وهو يحتفل باستقلاله الثمانين، لا يستعيد الماضي فحسب، بل يعيد إنتاجه قوةً للحاضر، ورؤيةً للمستقبل. وفي هذا المعنى، يبقى "المقر"… بيت العرب، حيث الرسالة لا تنقطع، وحيث الأردن يمضي ثابتًا، راسخًا، وحاضرًا في قلب أمته، كما كان دومًا.