باسل الطراونة يفتح ملف “إدارة الوعي”.. هل غابت الشفافية الاستباقية عن المشهد؟

كتب: ميديا نيوز الإخباري

في تغريدةٍ حملت الكثير من الرسائل السياسية والفكرية، أعاد الكاتب والمحلل باسل الطراونة تسليط الضوء على واحدةٍ من أكثر القضايا حساسيةً في إدارة الدولة الحديثة، وهي قضية "إدارة المعلومة” وطرق التواصل مع الرأي العام، لا سيما في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي ساحةً مفتوحةً لصناعة التأثير وتوجيه المزاج الشعبي.
الطراونة، ومن خلال ملاحظته التي نشرها عبر صفحته، لم يكن يتحدث عن تفصيلٍ عابر، بل لامس جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع، حين أشار إلى أن "الدول الناضجة فكرياً” تعتمد نهجاً مختلفاً في التعامل مع المؤثرين وأصحاب الرأي، عبر لقاءاتٍ دورية تُقدَّم خلالها معلومات دقيقة وشفافة حول مختلف القضايا، بهدف بناء الثقة وإيصال خطاب الدولة بصورةٍ واعية ومتزنة.
الرسالة التي أراد الطراونة إيصالها تتجاوز حدود النقد التقليدي، لتضع سؤالاً مباشراً أمام المؤسسات الرسمية: لماذا يتم التعامل مع المعلومة بردة فعل متأخرة؟ ولماذا تتحرك بعض الجهات فقط بعد انتشار الشائعة، بدلاً من تبني سياسة استباقية تقوم على الشفافية ووضوح الرواية منذ البداية؟
في عالم اليوم، لم تعد المعلومة مجرد خبر، بل أصبحت أداةً للأمن الوطني والاستقرار المجتمعي، وأي فراغ معلوماتي يترك مساحةً واسعةً أمام الشائعات والتأويلات والجهات التي تسعى لتوجيه الرأي العام وفق أجنداتها الخاصة. وهنا تكمن أهمية ما طرحه الطراونة، حين أشار إلى أن الأصل هو حضور المعلومة بشكل وقائي واستباقي، لا أن تُستخدم فقط لإطفاء الحرائق الإعلامية بعد اشتعالها.
الأكثر عمقاً في طرح الطراونة، كان حديثه عن "الاستعانة بمن هم دون مستوى الوعي”، في إشارةٍ واضحة إلى أن بعض المنابر أو الشخصيات التي يتم التعويل عليها أحياناً في إيصال الرسائل، قد لا تمتلك الأدوات الفكرية أو المهنية القادرة على إدارة خطابٍ مسؤول ومتزن، الأمر الذي ينعكس سلباً على صورة المؤسسات نفسها.
وفي المقابل، يدعو الطراونة إلى الالتقاء بأصحاب الفكر والرأي والمؤثرين الحقيقيين بصورةٍ دورية، باعتبارهم شركاء في تشكيل الوعي العام، لا مجرد أدوات إعلامية موسمية. فالدولة التي تحترم وعي مجتمعها، تدرك أن بناء الثقة لا يتم عبر البيانات التقليدية وحدها، بل عبر حوارٍ مفتوح مع النخب الفاعلة القادرة على تفسير المشهد للرأي العام بلغةٍ عقلانية ومسؤولة.
ما طرحه باسل الطراونة يعكس إدراكاً متقدماً لطبيعة المرحلة الحالية، حيث لم تعد المعركة فقط على الأرض أو في السياسة، بل أصبحت معركة وعي ومعلومة ورواية. فالدول التي تنجح اليوم، هي تلك التي تُحسن إدارة الحقيقة قبل أن تُدار ضدها الشائعة.
وفي ظل التحولات المتسارعة إقليمياً ودولياً، تبدو الحاجة ملحّة أكثر من أي وقتٍ مضى لإعادة صياغة العلاقة بين المؤسسات الرسمية وصنّاع الرأي، ضمن إطارٍ يقوم على الشفافية، والثقة، واحترام عقل المواطن، لأن المجتمعات الواعية لا تُدار بردود الأفعال، بل تُبنى بالشراكة والانفتاح والاستباق.