جلسة حوارية حول عدالة الأجور
جلسة حوارية حول عدالة الأجور
عقد الحزب المدني الديمقراطي الأردني جلسة حوارية بمناسبة يوم العمال العالمي بعنوان: "الأجور في الأردن: نحو سياسات تضمن كرامة العامل"، حيث تصدرت قضايا انخفاض الأجور واتساع الفجوة مع كلف المعيشة واستمرار ظاهرة العمالة الفقيرة وضعف العدالة في توزيع الأجور بين الفئات إضافة إلى تأثير الأجور على الاستقرار الاقتصادي والمعيشي للأسر، محور النقاش بين المشاركين الذين أكدوا أن هذه القضية تمثل مسألة اقتصادية واجتماعية تمس استقرار المجتمع ومسار النمو في البلاد.
وافتتح الجلسة وأدارها أمين عام الحزب المحامي حمادة أبو نجمة، حيث ركز في كلمته على قضية عدالة الأجور ومدى قدرتها على تغطية كلف المعيشة وتوفير حياة كريمة للعامل وأسرته في ضوء مستويات الفقر القائمة، مؤكدا أن الأجر يعتبر معيارا أساسيا للكرامة والاستقرار، وأشار إلى أهمية تدخل الدولة في تحسين مستويات الأجور وحمايتها مستندا إلى تجارب دولية ومعايير ذات صلة، وبما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات العدالة الاجتماعية واستدامة النشاط الاقتصادي.
كما تناول في حديثه أهمية المساواة في الأجور وضرورة تطبيق مبدأ الأجر المتساوي عن العمل المتساوي، إضافة إلى مراجعة آليات تحديد الحد الأدنى للأجور بحيث تستند إلى مؤشرات كلفة المعيشة الفعلية وليس فقط إلى معدلات التضخم، بما يعزز من عدالة هذه السياسات وفاعليتها.
وأكد المشاركون خلال الجلسة أن الأجور في الأردن لا تزال منخفضة لنسبة كبيرة من العاملين ولا تواكب الارتفاع المتسارع في تكاليف السكن والنقل والغذاء والطاقة والخدمات، ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية واتساع الضغوط على الأسر العاملة، وأشاروا إلى أن تمركز شريحة واسعة من العاملين ضمن مستويات أجور منخفضة أو متوسطة دنيا يعكس خللا بنيويا في سوق العمل يتعمق أكثر مع وجود نسبة كبيرة من العمال في الاقتصاد غير المنظم حيث تكون الأجور أقل والحماية أضعف.
وأوضح المتحدثون أن استمرار هذا الواقع لا ينعكس فقط على المستوى المعيشي فهو يمتد بتأثيره إلى الأداء الاقتصادي، حيث يؤدي انخفاض الأجور إلى إضعاف الطلب المحلي والحد من الاستهلاك وبالتالي تباطؤ النشاط الاقتصادي، وشددوا على أن اعتبار الأجور المنخفضة ميزة تنافسية هو فهم قصير الأجل لأن الاقتصاد القادر على النمو يقوم على قوة الاستهلاك المحلي واستقرار دخل الأسر وليس فقط على خفض كلف الإنتاج.
كما ناقش المشاركون الأسباب الكامنة وراء تدني الأجور مؤكدين أن جزءا من الاقتصاد لا يزال قائما على أنشطة منخفضة القيمة، وأن بعض نماذج الأعمال بنيت على أساس الأجور المنخفضة ما ساهم في ترسيخ هذا الواقع، وشددوا على أن مسؤولية رفع الإنتاجية لا تقع على عاتق العاملين وحدهم بل تتحملها مؤسسات القطاع الخاص من خلال الاستثمار في التدريب والتكنولوجيا وتحسين بيئة العمل.
وتناول النقاش كذلك البعد الاجتماعي للأجور حيث حذر المشاركون من اتساع ظاهرة "العمالة الفقيرة" التي يعمل فيها الأفراد بانتظام دون أن يتمكنوا من تلبية احتياجاتهم الأساسية، ما يؤدي إلى إضعاف الطبقة الوسطى وزيادة التفاوت الاجتماعي خاصة في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القيمة الحقيقية للأجور.
كما أشار المتحدثون إلى أن ضعف مستويات الأجور ينعكس بشكل مباشر على مستويات الدخل بعد التقاعد، نظرا لارتباط الرواتب التقاعدية بمتوسط الأجر وفترات الاشتراك، ما يجعل كثيرا من المتقاعدين يواجهون تحديات معيشية نتيجة تدني دخولهم خلال سنوات العمل.
وأكد المشاركون أن سياسات الأجور الحالية رغم محاولتها تحقيق التوازن لا توفر استدامة حقيقية لدخل العامل على المدى الطويل في ظل استمرار الفجوة بين الأجور وكلفة المعيشة وضعف نمو الأجور وعدم ارتباطها بشكل كافٍ بالإنتاجية أو بتطور المسار المهني.
كما حظيت قضية المساواة في الأجور باهتمام واضح حيث شدد المشاركون على ضرورة معالجة الفجوة بين الرجال والنساء وتعزيز مبدأ الأجر المتساوي عن العمل المتساوي، إلى جانب اتخاذ إجراءات تدعم مشاركة المرأة في سوق العمل من خلال تحسين بيئة العمل وتوفير خدمات مساندة مثل النقل والحضانات وتعزيز فرص التدريب والتقدم الوظيفي.
ودعا المشاركون إلى اعتماد سياسات أجور أكثر شمولا وعدالة تقوم على مراجعة دورية للحد الأدنى للأجور وربطه بكلفة المعيشة ووضع مسارات واضحة لنمو الأجور، وربط الحوافز الاقتصادية بجودة الوظائف إلى جانب توسيع شمول العاملين في الاقتصاد غير المنظم بأنظمة الحماية وتعزيز إنفاذ القوانين للحد من الانتهاكات.
وفي التوصيات دعا المشاركون إلى تبني إطار شامل لسياسات الأجور يستند إلى معايير حقوق الإنسان، يقوم على ربط الحد الأدنى للأجور بمستوى معيشي كاف يراعي الاحتياجات الأساسية للأفراد مع إمكانية الأخذ بعين الاعتبار الفروقات بين المناطق والقطاعات دون المساس بمبدأ عدم التمييز، كما شددوا على أهمية إدماج العاملين في الاقتصاد غير المنظم ضمن منظومة العمل الرسمي من خلال اشتراطات مهنية تعزز من مهاراتهم وربط ذلك بالحماية الاجتماعية، إلى جانب تحسين بيئة العمل بما يخفف كلف الاندماج في سوق العمل خاصة من خلال توفير خدمات النقل والحضانات والتدابير التيسيرية للأشخاص ذوي الإعاقة وتوسيع أنماط العمل المرن.
وأكد المشاركون كذلك على ضرورة إعادة توجيه العلاقة بين التعليم وسوق العمل من خلال تعزيز التدريب المهني دون المساس بحرية التعليم الأكاديمي، والعمل على دعم القطاعات الإنتاجية خاصة القطاع الزراعي لما له من دور في تعزيز الأمن الغذائي وتخفيف كلف الإنتاج، كما دعوا إلى تطوير الإطار التشريعي وخاصة قانون العمل، بما ينسجم مع معايير حقوق الإنسان ومنظمة العمل الدولية وبما يعزز حرية التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية لتمكين العمال من المشاركة الفاعلة في تحديد سياسات الأجور.
وشارك في الجلسة عدد من الخبراء والمختصين، من بينهم الدكتور يوسف منصور الخبير الاقتصادي والوزير السابق، والدكتورة لينا شبيب الوزيرة السابقة ورئيسة المجلس المركزي للحزب، وأحمد عوض مدير مركز الفينيق، ورياض صبح الخبير في مجال القانون الدولي الإنساني، ونهى محريز الناشطة في حقوق النساء ومساعدة الأمين العام لشؤون المرأة، وماجد اللوانسة النقابي ومساعد الأمين العام لشؤون الفروع، وشيرين مازن من مركز تمكين للمساعدة القانونية، إضافة إلى نائب الأمين العام للشؤون القطاعية والبرامجية وسام العمري، ومساعدي الأمين العام سوسن المطر، ومحمد الشرمان، ورنا أبو حمور، وعضوة المجلس المركزي للحزب سماح مسنات.
وفي ختام الجلسة أكد المشاركون على أن بقاء الأجور عند مستويات منخفضة أصبح عبئا على النمو والاستقرار والعدالة الاجتماعية داعين إلى الانتقال إلى سياسات ترفع الأجور بشكل عادل ومتدرج بما يحقق كرامة العامل ويعزز استقرار الاقتصاد والمجتمع.