‏الزراعة العضوية والزراعة الذكية مناخيًا: ‏مدخل استراتيجي لتعزيز صحة التربة والأمن الغذائي في الدول الأعضاء


‏د. عبدالعزيز حجاجي، مديرية البرامج - المنظمة الإسلامية للأمن الغذائي
‏في ظل التحديات البيئية والمناخية المتسارعة التي تواجه العديد من الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، لم تعد استدامة الإنتاج الزراعي خيارًا تنمويًا، بل أصبحت ضرورة استراتيجية لضمان الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فالتصحر، وتدهور خصوبة التربة، والملوحة، وشح الموارد المائية، والاعتماد المفرط على المدخلات الكيميائية، جميعها عوامل أضعفت قدرة النظم الزراعية على الإنتاج المستدام.
‏وفي هذا السياق، تمثل الزراعة العضوية ضمن إطار الزراعة الذكية مناخيًا مدخلًا استراتيجيًا لإعادة بناء صحة التربة، وتعزيز مرونة الأنظمة الزراعية، وتقوية سلاسل القيمة الغذائية بطريقة مستدامة بيئيًا واقتصاديًا.
‏تعتمد الزراعة العضوية على إعادة الاعتبار للتربة كنظام بيئي حي ومتوازن، غني بالكائنات الدقيقة والمواد العضوية. فالتربة السليمة لا تقتصر على احتواء العناصر الغذائية، بل تضم شبكة معقدة من البكتيريا والفطريات والكائنات المجهرية التي تضمن دورة المغذيات، وتحسن بنية التربة، وتعزز قدرتها على الاحتفاظ بالمياه.
‏إن الاستخدام المكثف للأسمدة الكيميائية دون تعويض المادة العضوية أدى في العديد من المناطق إلى:
‏انخفاض النشاط البيولوجي للتربة؛
‏تدهور بنيتها الفيزيائية؛
‏زيادة الانجراف والتعرية؛
‏تراجع قدرتها على الاحتفاظ بالمياه؛
‏ارتفاع قابلية النباتات للإصابة بالأمراض.
‏في المقابل، يساهم إدماج الكومبوست، والسماد الحيوي، والأسمدة العضوية-المعدنية في:
‏رفع نسبة الكربون العضوي في التربة؛
‏تحسين التهوية والبنية الحبيبية؛
‏زيادة كفاءة استخدام العناصر الغذائية؛
‏تعزيز استقرار الإنتاج على المدى الطويل.
‏ومن ثم، تمثل الزراعة العضوية أداة بنيوية لإعادة تأهيل الأراضي المتدهورة، خاصة في المناطق المتأثرة بالتصحر والملوحة في إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
‏العلاقة بين الزراعة العضوية والزراعة الذكية مناخيًا
‏الزراعة الذكية مناخيًا تهدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف متكاملة: زيادة الإنتاجية، وتعزيز التكيف مع تغير المناخ، وتقليل الانبعاثات. وتُعد الزراعة العضوية أحد أهم المكونات التي تخدم هذه الأهداف.
‏فزيادة المادة العضوية في التربة تساهم في عزل الكربون، مما يساعد في التخفيف من آثار تغير المناخ. كما أن تحسين بنية التربة يرفع من قدرتها على الاحتفاظ بالمياه، ما يعزز قدرة المحاصيل على تحمل الجفاف وتقلبات الأمطار. إضافة إلى ذلك، يقلل الاعتماد على المدخلات الصناعية من الانبعاثات المرتبطة بتصنيع ونقل الأسمدة الكيميائية.
‏وعلى المستوى الاقتصادي، تعزز الزراعة العضوية استقلالية المزارعين عبر تقليل تعرضهم لتقلبات أسعار المدخلات المستوردة، مما يرفع من استقرار دخلهم، خاصة في البيئات الهشة.
‏دور المنظمة الإسلامية للأمن الغذائي في تعزيز الزراعة العضوية
‏انطلاقًا من رؤية 2031، تبنت المنظمة الإسلامية للأمن الغذائي مقاربة متكاملة لتعزيز الزراعة العضوية في الدول الأعضاء، تقوم على الربط بين الإصلاح السياساتي، وبناء القدرات، والتطبيق الميداني، ونقل التكنولوجيا المناسبة للبيئات المحلية.
‏أولاً: المستوى السياساتي والتشريعي
‏تدعم المنظمة الدول الأعضاء في تطوير الأطر القانونية المنظمة للزراعة العضوية، بما يشمل إعداد أو تحديث القوانين تدعم المنظمة الدول الأعضاء في تطوير الأطر القانونية المنظمة للزراعة العضوية، بما يشمل إعداد أو تحديث القوانين الوطنية، وصياغة اللوائح التنفيذية، وتطوير الأدلة الوطنية لمعايير وممارسات الإنتاج العضوي، بما يضمن وضوح الأدوار والمسؤوليات وتعزيز الشفافية في سلاسل القيمة العضوية.
‏كما تواكب المؤسسات الوطنية في:
‏بناء قدرات الكوادر التشريعية والتنظيمية؛
‏تطوير نظم التصديق والرقابة؛
‏تعزيز التنسيق بين القطاعات المعنية (الزراعة، البيئة، المياه)
‏إدماج الزراعة العضوية ضمن الاستراتيجيات الوطنية للأمن الغذائي.
‏وفي هذا الإطار، نظمت المنظمة مؤخرًا فعالية وطنية متخصصة في العراق بالتعاون مع وزارة الزراعة، ركزت على تعزيز الإطار السياساتي والمؤسسي للزراعة العضوية في العراق، حيث تم تحليل الواقع التشريعي القائم، وتحديد الفجوات التنظيمية، ومناقشة آليات إعداد دليل وطني للمعايير والممارسات العضوية. كما أسفرت المناقشات عن إعداد مجموعة من التوصيات العملية لدعم مسار إعداد قانون وطني للزراعة العضوية، وتعزيز التنسيق المؤسسي بين الجهات المعنية، ووضع تصور أولي لخارطة طريق لتنظيم القطاع على أسس مستدامة.
‏ويُعد وجود إطار قانوني واضح ومنسجم شرطًا أساسيًا لتنظيم القطاع، وتعزيز ثقة المستهلك، وفتح فرص التصدير، وتحفيز الاستثمار في الزراعة العضوية ضمن رؤية تنموية طويلة الأمد.
‏ثانيًا: بناء القدرات والتطبيق الميداني – تجربة بنين
‏في إطار تعزيز التطبيق العملي، نفذت المنظمة برنامجًا تدريبيًا متخصصًا في بنين حول إنتاج الأسمدة العضوية في مركز سونغهاي الزراعي، بمشاركة أكثر من 50 مزارعًا ومهنيًا زراعيًا.
‏ركز البرنامج على:
‏تقنيات إنتاج الكومبوست والسماد العضوي بطرق علمية حديثة؛
‏إنتاج الفيرمي كومبوست؛
‏تحضير الأسمدة الحيوية؛
‏إدارة المخلفات الزراعية وتحويلها إلى مدخلات ذات قيمة مضافة؛
‏دمج الأسمدة العضوية في إدارة المياه ودورات المحاصيل.
‏وقد ساهمت هذه المبادرة في تمكين المشاركين من إنتاج مدخلاتهم محليًا، مما يعزز الاستدامة الاقتصادية ويقلل الاعتماد على المدخلات المستوردة.
‏ثالثًا: برامج الأسمدة العضوية-المعدنية – تجربة نيجيريا
‏في نيجيريا، نفذت المنظمة برنامجًا لبناء القدرات في مجال الأسمدة العضوية-المعدنية بمدينة زاريا، استهدف تدريب 40 مزارعًا ومهنيًا زراعيًا.
‏تميز البرنامج بالجمع بين الجانب النظري والتطبيق العملي، حيث تم التركيز على:
‏تحويل المخلفات الزراعية إلى أسمدة محسنة؛
‏تحسين كفاءة استخدام العناصر الغذائية؛
‏تقليل الاعتماد على الأسمدة الكيميائية؛
‏رفع إنتاجية المحاصيل مع الحفاظ على صحة التربة.
‏وقد أبرزت هذه التجربة أهمية الحلول منخفضة التكلفة ذات الأثر المرتفع في تعزيز مرونة النظم الزراعية الريفية.
‏رابعًا: تجربة آسيا الوسطى في تطبيق الفحم الحيوي (البيوتشار)
‏إلى جانب الزراعة العضوية، وسّعت المنظمة نطاق تدخلها ليشمل تطبيق تقنية البيوتشار في آسيا الوسطى، حيث تواجه المنطقة تحديات تتعلق بتدهور التربة والملوحة وشح المياه.
‏البيوتشار مادة كربونية تُنتج عبر التحلل الحراري للمواد العضوية في بيئة منخفضة الأكسجين، وتساهم في:
‏تحسين قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه؛
‏تعزيز النشاط الميكروبي المفيد؛
‏زيادة كفاءة استخدام العناصر الغذائية؛
‏التخفيف من آثار الملوحة؛
‏عزل الكربون في التربة على المدى الطويل.
‏شملت المبادرة مرحلتين: رفع الوعي العلمي من خلال ندوات إقليمية، ثم الانتقال إلى التطبيق التجريبي عبر توفير نموذج أولي لآلة إنتاج البيوتشار، وتدريب الباحثين، وتنفيذ تجارب ميدانية أظهرت تحسنًا في خصائص التربة والإنتاجية.
‏ويمثل دمج البيوتشار مع الكومبوست والأسمدة الحيوية نموذجًا متقدمًا للحلول المناخية القائمة على الطبيعة، ويعزز الاقتصاد الدائري من خلال الاستفادة من المخلفات الزراعية.
‏نحو نموذج متكامل للتنمية الزراعية المستدامة
‏إن تعزيز الزراعة العضوية ضمن إطار الزراعة الذكية مناخيًا يتطلب مقاربة شمولية تتجاوز التدخلات الجزئية نحو بناء منظومة متكاملة قادرة على تحقيق تحول هيكلي في القطاع الزراعي. ومن هذا المنطلق، تعمل المنظمة الإسلامية للأمن الغذائي على ترسيخ نموذج تنموي يقوم على التكامل بين الإصلاح التشريعي، وبناء القدرات المؤسسية، والتطبيق الميداني، ونقل التكنولوجيا الملائمة للبيئات المحلية.
‏هذا النموذج لا يقتصر على تحسين تقنيات الإنتاج فحسب، بل يسعى إلى إعادة هيكلة سلاسل القيمة الزراعية، وتنظيم قطاع المدخلات العضوية، وتحفيز الاستثمار في الابتكار البيئي منخفض التكلفة، بما يعزز قدرة المزارعين – خاصة صغار المنتجين على التكيف مع التغيرات المناخية وتقلبات الأسواق.
‏ويقوم هذا التوجه على مجموعة من المرتكزات الأساسية، من بينها:
‏إدماج صحة التربة كأولوية وطنية ضمن الاستراتيجيات الزراعية؛
‏تطوير أطر تنظيمية واضحة تعزز الشفافية والمساءلة؛
‏دعم البحث العلمي التطبيقي في مجالات الكومبوست، والأسمدة العضوية-المعدنية، والفحم الحيوي؛
‏تعزيز الاقتصاد الدائري من خلال تحويل المخلفات الزراعية إلى مدخلات إنتاجية؛
‏تقوية التعاون الإقليمي بين الدول الأعضاء لتبادل الخبرات ونقل التجارب الناجحة.
‏ومن خلال هذا التكامل، يتحول القطاع العضوي من نشاط محدود النطاق إلى رافعة استراتيجية للتنمية الريفية، قادرة على خلق فرص عمل، وتحسين دخل المزارعين، وتقليل الاعتماد على المدخلات المستوردة، وتعزيز السيادة الغذائية.
‏الخلاصة
‏إن التحول نحو الزراعة العضوية والابتكارات البيئية مثل الفحم الحيوي لا يمثل مجرد خيار تقني، بل هو مسار استراتيجي لإعادة بناء الأساس البيولوجي للإنتاج الزراعي. فصحة التربة هي الركيزة الأولى للأمن الغذائي، واستدامتها تتطلب رؤية طويلة الأمد تستند إلى إصلاح السياسات، وتعزيز القدرات المؤسسية، والاستثمار في الإنسان والمعرفة.
‏ومن خلال مقاربتها المتكاملة، تؤكد المنظمة الإسلامية للأمن الغذائي التزامها بدعم الدول الأعضاء في بناء نظم زراعية أكثر مرونة، وأكثر قدرة على التكيف مع التغير المناخي، وأكثر كفاءة في استخدام الموارد، بما يسهم في تحقيق أمن غذائي مستدام وشامل للأجيال الحالية والقادمة.