ترامب بين القساوسة، ارتداد الولايات المتحدة الأيدولوجي!
يزن عيد الحراحشة
كان من غير المألوف رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب محاطا بعدد من رجال الدين يتلون عليه الصلوات لمباركته وتوفيقه في مهامه، هذا المشهد كان سيكون أكثر غرابة لولا إرهاصاته التي خففت وطأة الصورة، وللباحثين عن موضع العجب أكتب هذا المقال الذي أبين فيه الطريقة التي يقولب فيها ترامب الولايات المتحدة على مسيحيا رغم معارضة هذا لطبيعة النظام الأمريكي المعلنة.
تبني العلمانية المفترض.
لبسط الصورة أوضح بداية الطبيعة القانونية لعلمانية النظام الأمريكي، فقد نص التعديل الأول من الدستور الأمريكي على حظر تسمية دين للدولة كما حظر أي منع لحرية التدين، وهذا النص يلزم الكونغرس بعدم محاولة إضفاء صبغة دينية على الدولة الأمريكية، ولعل المثال الشهير لدرجة الإصرار على تطبيق فصل الدين عن الدولة كان قضية انجل ضد فيتال (Engel vs Vetal 1962) حيث قررت المحكمة العليا عدم دستورية بدء اليوم المدرسي بصلاة جماعية رغم دفع مجلس الوصاة التعليمي بكون الصلاة غير طائفية وغير إلزامية، لكن أولياء الأمور المشتكين من قرار التوصية بهذه الصلاة أصروا على على قضيتهم حتى حظر المقترح.
وللتبسيط فالفقه القانوني الأمريكي يشدد على حياد الدولة الديني، وفق مبادئ أربعة وهي: عدم وجود دين رسمي للدولة، حماية حرية الاعتقاد والعبادة، منع الحكومة من دعم دين معين، السماح للدين بالوجود في المجال العام دون سيطرة الدولة، وهذه المبادئ العامة تم النمذجة عليها في مختلف المواد القانونية، فمثلا نجد في البند الثالث من المادة السادسة في الدستور: "لا يجوز أبدًا اشتراط اختبار ديني كشرط لتولي أي منصب أو وظيفة عامة في الولايات المتحدة". وتؤطر هذه المادة لعدم جواز اشتراط الانتماء إلى دين معين لتولي منصب حكومي، وعدم جواز استبعاد شخص من المنصب بسبب ديانته أو عدم تدينه، ومنع الدولة من جعل العقيدة الدينية معيارًا للأهلية السياسية.
ولكن: إلى أي درجة التزم ترامب بهذه المعايير؟
كان من اللطيف المرور على هذا التأطير النظري للحياد الديني الأمريكي، لكن هل التزم ترامب المأفون بالدعاوى التلمودية بهذا الإطار؟ بطبيعة الحال لا، وعندما أقول "لا" فأنا أعنيها بالمعنى الكلي، فالناظر في خيارات ترامب من المسؤولين نجد حسب تقرير الصحفية (هايدي شلومبف) في 13 شباط 2025 أن أكثر من ثلث مسؤولي ترامب ملتزمون دينيا، ومن هؤلاء -استرشادا بالتقرير وبناء عليه- يشغل منصب نائب الرئيس جي دي فانس وهو كاثوليكي اعتنق الكاثوليكية عام 2019 ويربط الفكر السياسي بالمبادئ الكاثوليكية الاجتماعية، وقد أصبح ثاني نائب رئيس كاثوليكي في تاريخ الولايات المتحدة، كما يشغل منصب وزير الخارجية ماركو روبيو وهو كاثوليكي مع تاريخ سابق في الكنيسة المورمونية، يعلن تدينه علنًا ويشارك في نشاطات دينية مسيحية، ومرتبط بالقاعدة المسيحية الإنجيلية في الحزب الجمهوري، أما مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف فهو كاثوليكي شغل سابقًا منصب مدير الاستخبارات الوطنية ويعد شخصية محافظة قريبة من التيار المسيحي داخل الحزب الجمهوري، وحتى وزير النقل شون دافي كاثوليكي معروف بإظهار التدين الكاثوليكي في حياته العامة والسياسية، وتشغل وزارة التعليم ليندا مكماهون، التي نشأت بروتستانتية معمدانية ثم تحولت إلى الكاثوليكية، وقد شاركت في عدد من المبادرات المرتبطة بالتعليم الديني، ويشغل وزارة العمل لوري شافيز-دي ريمر وهو كاثوليكي، شخصية لاتينية محافظة مرتبطة بالكنيسة الكاثوليكية، ووزير الدفاع بيت هيغسث وهو بروتستانتي إنجيلي محافظ مرتبط بشبكة كنائس محافظة ذات توجه سياسي مسيحي واضح، ولعل المثال الأشهر بتدينه هو مبعوث الولايات المتحدة إلى الكيان الصهيوني مايك هكابي وهو إنجيلي كان قسًا بروتستانتيًا قبل دخوله السياسة، ومعروف بدعمه القوي للصهيونية المسيحية.
هذه الأمثلة السابقة مدعومة بتصريحات ترامب المستمرة مضيفة الشكل القدسي والنور الإيماني على مهامه تعطينا تصورا واضحا لدرجة غرق الرئيس البرتقالي في التعاليم الدينية الإنجيلية البروتستانيتة وضمن التيار الصهيوني فيها، وهذا يتضح في التزامه في خطاباته العامة بالقيم المسيحية المحافظة، مثل الدفاع عن الإجهاض، والحرية الدينية، ودعم "إسرائيل"، لكنه لا يُعرف عنه ممارسة طقوس دينية بشكل منتظم مثل الذهاب إلى الكنيسة أسبوعيًا أو قراءة كتابات دينية علنًا، وأحسب أن للرئيس شقا طقوسيا ينسجم مع آرائه، ولا ندري لماذا يخفيه!
المسيحية فحسب، أم اليمين المحافظ للمسيحية؟
يتجاوز الأمر في خيارات ترامب الشكل الناعم للمسيحية، وهنا سأتناول وزير الحرب الأمريكي -الدفاع سابقا- والقائد للحرب الحالية على إيران بيت هيغسث والذي يحمل على ذراعه وشما بكلمة "كافر" باللغة العربية، إضافة إلى عبارة "Deus Vult" اللاتينية، التي كانت شعارًا للحملات الصليبية، ولا يمكننا هنا تجاهل ترابط الوشمين وتعبيرهما عن مدى الانغلاق والتعصب بل العداء المباشر للإسلام والمسلمين من الرجل الذي خدم في القوات المسلحة الأمريكية، وبصفة خاصة في مشاة البحرية (المارينز)، شارك خلالها في عدة عمليات في العراق وأفغانستان، كما خدم في مهام متعلقة بمعتقل غوانتانامو، مما يعطينا تصورا أوضح لتوجهات الرجل التي عبر عنها مرارا بعد انخراطه في المعترك الإعلامي والسياسي.
بيت هيغست هذا صرح قبل يومين بالحرف: "ضرورة منع الدول التي تحمل أوهاما نبوية إسلامية من امتلاك سلاح نووي". وهذا التصريح المعبر عن أيدولوجيته الجامدة والمعادية للإسلام لم يراعِ من جهة الحلفاء المسلمين لأمريكا، فيما تجاهل من جهة أخرى كونه في صف الكيان المحمل بعشرات الأوهام التلمودية، وهذه المفارقة تدلل على كمية التناقض المنطقي الناجم عن فرط الحمل الأيدولوجي.
الصهيونية، الصهيونية والمزيد منها:
لعل الرجل الأبرز صهينة علنية في قصتنا هو المبعوث الأمريكي هاكابي، الذي عبر الأسبوع الماضي -دون مراعاة لوزنه الدبلوماسي- عن أوهامه هو الآخر، فكان مباشرا صريحا حيث يرى مملكة إسرائيل الخاصة به من الفرات إلى النيل وما بينهما، بل وكرر بشكل تفصيلي مباشر رؤية ترامب بكون المنطقة العربية تحمل الكثير من الأراضي الزائدة الصالحة للاستيلاء، وهذه التوصيفات التي تتجاوز الحدود الوطنية للدول العربية ستكون منطقية استدلالا من رؤية المبعوث باراك الذي وصف المنطقة العربية بالأرض التي يسكنها قبائل وعشائر دون التطور لتكوين دول.
خلاصة القول، زبدة الزبدة!
تستمر الولايات المتحدة في الذهاب بعيدا نحو اليمين الديني، بل وبتبني المسيحية الصهيونية التي تعد شكلا عنصريا للمسيحية، فهي بشكل أو بآخر أداة في يد الصهيونية الأم، وهذا الارتداد الأيدولوجي سيأخذ أمريكا بعيدا في المزيد والمزيد من الحروب، بل ومن منظوري أن أمريكا لن تتوانى قريبا في تفسيخ علاقتها مع الحلفاء في المنطقة العربية، فكل المصالح البراغماتية لن تعدل كفة الأيدولوجية الثقيلة.