اغتيال الشخصية.. حين يتحول "التشويه" إلى سلاح لتقويض العمل العام
خاص الانباط...
بقلم: الكاتب نضال انور المجالي.
في ظل الفضاء الرقمي المفتوح، واختلاط المفاهيم بين حرية التعبير والمسؤولية الأخلاقية، برزت ظاهرة "اغتيال الشخصية" كأداة هدم عابرة للحدود والمنطق. لم يعد النقد السياسي أو الإداري يكتفي بمحاكمة الأداء أو مناقشة الأطروحات، بل انحرف في مسارات خطيرة تستهدف "الوجود المعنوي" للفرد، وتسعى لتجريد الرموز والنخب من مصداقيتهم عبر منهجية التشكيك المسبق.
سيكولوجية الاستهداف: كيف تُصنع "التهمة"؟
تعتمد استراتيجية اغتيال الشخصية على مبدأ "أنصاف الحقائق". فهي لا تبحث بالضرورة عن خطأ قانوني، بل تعمد إلى وضع السلوكيات الاعتيادية والقانونية في سياق مريب. فعلى سبيل المثال، حين تمارس شخصية عامة حقاً استثمارياً مشروعاً ومكشوفاً —كشراء أسهم في شركة وطنية أو القيام بنشاط اقتصادي يخضع لرقابة الدولة— يتم تحويل هذا الفعل من "دليل نزاهة وشفافية" إلى "مادة للاتهام".
إن عملية "الشيطنة" هذه لا تخاطب العقل، بل تداعب الغرائز والعواطف العامة، محولةً النجاح أو الاستثمار أو حتى الممارسة الطبيعية للحقوق المدنية إلى "جريمة معنوية" في وجدان الشارع، دون تقديم دليل مادي واحد على تجاوز القانون.
تآكل الثقة والمجتمع "المكشوف"
إن خطورة هذا النهج لا تقتصر على الفرد المستهدف فحسب، بل تمتد لتضرب أسس الاستقرار المؤسسي والاجتماعي. فعندما يتحول "النبش" في الخصوصيات والمعاملات القانونية إلى بديل للحوار الوطني حول السياسات والبرامج، فإننا نصل إلى نتائج كارثية، أبرزها:
عزوف الكفاءات: حين يصبح العمل العام مرادفاً للنهش في السمعة، ستنكفئ العقول الوازنة والشخصيات الوطنية ذات التاريخ المهني النظيف عن التصدي للمسؤولية، خوفاً على تاريخها من آلة التشويه الممنهجة.
تسطيح الوعي الجمعي: ينشغل الرأي العام بمتابعة تفاصيل ثانوية ومعاملات شخصية قانونية، بدلاً من التركيز على القضايا المصيرية والتحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجه الدولة.
كسر الرمزية الوطنية: اغتيال الشخصيات القيادية يؤدي بالضرورة إلى إضعاف هيبة المؤسسات، وزرع بذور الشك الدائم بين المواطن والدولة، مما يسهل اختراق الجبهة الداخلية معنوياً.
المساءلة الواجبة والافتراء المرفوض
يجب التمييز بصرامة بين "المساءلة" و"التشويه". فالمساءلة هي جوهر الحوكمة والنزاهة، وهي حق أصيل للمواطن والرقابة الشعبية، شريطة أن تستند إلى وقائع صلبة واختراقات للقانون. أما الاغتيال المعنوي، فهو فعل عدائي يفتقر للبرهان، يعتمد على الإشاعة، ويستهدف "الشخص" لا "الفعل"، بهدف إزاحته من المشهد أو تقزيم أثره في المجتمع.
إن الدفاع عن الرموز الوطنية والشخصيات العامة ضد حملات التشويه الممنهجة هو في جوهره دفاع عن "قيم الدولة" وسيادة القانون. إن المجتمع الواعي هو الذي يرفض الانقياد وراء صخب الاتهامات المرسلة، ويتمسك بالحقيقة المستندة إلى الدليل والبرهان. إن حماية الفضاء العام من لوثة اغتيال الشخصيات هي مسؤولية جماعية تبدأ من الكلمة الصادقة والتحليل الموضوعي الذي يضع مصلحة الوطن فوق تصفية الحسابات الشخصية
حفظ الله الاردن والهاشمين