كارثة في الخرطوم: سرقة عينات وحيوانات نادرة من متحف السودان الطبيعي
في كارثة مؤسفة، كشف مسؤول حكومي سوداني عن ضياع تاريخ طبيعي يعود إلى قرن ونصف القرن، وذلك بعد تدمير الحرب لمقر "متحف السودان للتاريخ الطبيعي" وسط الخرطوم. وأوضح المسؤول أن البلاد فقدت آلاف الحيوانات المحنطة والحية المهددة بالانقراض، بالإضافة إلى عينات مرجعية نادرة لا تقدر بثمن.
أضاف النشطاء أنه في الأيام الأولى لاندلاع الحرب، أطلقوا عبر وسائل التواصل الاجتماعي نداءات استغاثة لتوفير الطعام والمياه للحيوانات الحية المتبقية في المتحف. وأشاروا إلى أنه مع تعثر جهود الإنقاذ، اضطروا لفتح الأقفاص لتتمكن الحيوانات من الهرب، على الرغم من وجود ثعابين سامة بينها.
بين المسؤول أن المتحف، التابع لجامعة الخرطوم، يقع على بعد كيلومتر واحد من مقر قيادة الجيش، ما جعله عرضة لأضرار جسيمة نتيجة للمواجهات والقصف المتبادل بين الجيش السوداني و"قوات الدعم السريع".
فقدان كنوز المتحف التاريخي
قال عميد كلية العلوم في جامعة الخرطوم، الدكتور عثمان علي حاج الأمين، إن المتحف فقد الآلاف من الحيوانات والطيور والزواحف المحنطة التي يعود عمرها إلى أكثر من 150 عاما. وأضاف أنه من المرجح أن الحيوانات الحية قد سرقت أو نهبت، مؤكدا أنهم لم يعثروا على أي آثار أو هياكل عظمية لها في المتحف.
لم يتمالك الأمين دموعه وهو يتحدث عن حجم الخراب الذي لحق بأحد أقدم المتاحف التاريخية الطبيعية في البلاد والعالم. وأشار إلى فقدان نحو 2000 عينة من الحيوانات المحنطة، وأكثر من 600 عينة مرجعية مهددة بالانقراض، بالإضافة إلى السجلات الجيولوجية من حفريات حيوانية ونباتية وصخرية.
أضاف الأمين أن الفقد الأكبر كان لنحو 100 نوع تمثل كل الفصائل من الحيوانات والطيور والزواحف التي تمت رعايتها والحفاظ عليها لعقود.
عينات نادرة لا تعوض
بين الأمين أن من بين المفقودات عينات أحفورية لأنواع من الطيور جمعت بين عامي 1885 و1945، وزرافة كردفان، وهي من الأنواع المهددة بالانقراض. وأكد أن هذه العينات لا يمكن تعويضها.
أوضح الأمين أنه خلال الحرب، فقد المتحف أكبر تمساح معمّر عاش لسنوات طويلة، بالإضافة إلى العديد من الزواحف، بما في ذلك الثعابين والعقارب السامة. وكشف عن العثور على "لبؤة" محنطة ونقلها إلى كلية البيطرة بجامعة الخرطوم.
علمت مصادر صحفية أن "الصليب الأحمر الدولي" حاول التدخل لإجلاء المدنيين والطلاب المحاصرين داخل المتحف ونقل الحيوانات الحية والمحنطة، لكنه فشل بسبب الاشتباكات العنيفة.
تاريخ المتحف العريق
أفاد مسؤول سوداني بأن العينات المحفوظة بدأت جمعها منذ منتصف القرن التاسع عشر بواسطة ضباط في الجيش الإنجليزي. وأضاف أنه خلال الحرب العالمية الثانية، نقلت العينات من "متحف السودان القومي" إلى "المتحف الطبيعي" بجوار جامعة الخرطوم، التي تولت إدارته منذ تأسيسه في عام 1929.
قال الأمين إن المتحف يحتوي على عينات توضح التنوع البيولوجي من مختلف أنحاء السودان، بما في ذلك جنوب السودان قبل انفصاله. وأشار إلى أن المتحف يضم عينات أخرى أهديت إلى السودان من متاحف عالمية.
يشمل "متحف السودان الطبيعي" أقساما عديدة، منها صالة عرض لأنواع الطيور النادرة في البلاد، وقسم لجماجم الحيوانات المحنطة، وقسم خاص بالنباتات الطبية والعطرية، وعينات صخور جيولوجية، وأقفاص للحيوانات الحية.
مستقبل المتحف في خطر
أكد عميد كلية العلوم أن إعادة تأهيل المتحف إلى صورته الأولى يحتاج لسنوات طويلة من العمل ومبالغ كبيرة من المال. وأعرب عن يأسه من إمكانية العثور على الحيوانات النادرة والعينات التاريخية والسجلات القديمة التي فقدت في زمن الحرب.
رجح العميد أن العديد من الحيوانات الحية قتلت أو ماتت بسبب الجوع والعطش، وأن الحيوانات المحنطة وعينات الصخور والأعشاب النادرة سرقت. وأشار إلى أن هذه العينات جمعت وفرزت وصنفت على مدى سنوات طويلة من قبل الباحثين.
يذكر أن "متحف التاريخ الطبيعي" مؤسسة علمية وثقافية لدراسة التنوع البيولوجي والعينات الطبيعية، ويعد واحدا من أقدم المتاحف في السودان.