غموض يكتنف وساطة سد النهضة وسط تصلب مواقف مصر واثيوبيا
على الرغم من مرور شهر تقريبا على عرض الرئيس الامريكي دونالد ترمب وساطته بين مصر واثيوبيا لحل نزاع سد النهضة الذي اقامته اديس ابابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، فان التباين لا يزال واضحا في مواقف البلدين. يبقى الملف محور توتر مستمر منذ اكثر من عقد دون ظهور حل في الافق.
يلقي هذا بظلال من الشكوك حول تحقيق الوساطة الامريكية انفراجة قريبة، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الاوسط». وسط مصير غامض في ظل انشغال واشنطن بملفات معقدة سواء في ايران او اوكرانيا او غزة. رجح البعض تدخلا امريكيا حاسما الفترة المقبلة والتوصل لحلول فنية مستبعدين اتفاقا شاملا او لجوء مصر لتحكيم دولي.
اعلنت مصر في ديسمبر (كانون الاول) 2023 توقف مسار التفاوض مع اثيوبيا بشان السد بعد جولات مختلفة. عقب افتتاح اديس ابابا المشروع رسميا في سبتمبر (ايلول) الماضي. نددت القاهرة بتلك الخطوة وارسلت خطابا الى مجلس الامن الدولي اكدت فيه انها «لن تغض الطرف عن مصالحها الوجودية في نهر النيل».
النيل هبة الهية ومنطق التعاون
قال رئيس الوزراء الاثيوبي ابي احمد في بيان باللغة العربية نشره على حساباته بمواقع التواصل الاجتماعي الاثنين بمناسبة حلول شهر رمضان الذي عده «مناسبة لتعزيز قيم السلام والتسامح والتكافل» ان «نهر النيل هبة الهية مشتركة يجب ان يدار بمنطق التعاون والانصاف لا بمنطق الاحتكار او الاقصاء».
تمسك بموقف بلاده قائلا ان «استثمار اثيوبيا لمواردها المائية ياتي في اطار حق سيادي مشروع يهدف الى انتشال الملايين من الفقر وتعزيز امن الطاقة والغذائي دون المساس بحصص او حقوق اي طرف».
اكد ان بلاده «لا تسعى الى فرض واقع احادي بل تدعو الى نموذج اقليمي قائم على تقاسم المنافع بحيث يتحول النيل الى منصة تنموية جامعة لا ساحة تجاذب سياسي». اضاف ان العدالة المائية «تعني توسيع دائرة الاستفادة لا اعادة توزيع الضرر».
مصر تؤكد على الحق في المياه
من جانبه ابلغ وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي رئيس مفوضية الاتحاد الافريقي باديس ابابا محمود علي يوسف ان المياه «حق اساسي من حقوق الانسان فهو حق انساني واجتماعي في المقام الاول». شدد على ان «الحصول على مياه شرب حق لا غنى عنه» وفق بيان لـ«الخارجية المصرية» الاثنين.
اكد الوزير ان اعتماد رؤية وسياسة افريقيا للمياه 2063 على مستوى قمة رؤساء الدول والحكومات الافريقية «يعد خطوة للامام للحفاظ على الحق في المياه خصوصا تلك الرؤية التي اكدت على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي بما في ذلك مبادئ التوافق والتعاون وعدم الاضرار لا سيما تلك المتعلقة بالمشاريع على الانهار المشتركة والعابرة للحدود».
توجه عبد العاطي الاثنين الى العاصمة الكينية نيروبي احدى دول حوض النيل في زيارة تصدرتها قضية المياه والتعاون.
تعزيز التعاون بين دول حوض النيل
بحث الوزير المصري مع نظيره الكيني موساليا مودافادي اهمية تعزيز التعاون والتكامل بين دول حوض نهر النيل لتحقيق المنفعة المشتركة والمصالح المتبادلة. شدد على ضرورة التمسك بروح التوافق والاخوة لاستعادة الشمولية بمبادرة حوض النيل ورفض الاجراءات الاحادية.
يعتقد وزير الخارجية المصري الاسبق السفير محمد العرابي ان الموقف الاثيوبي «متعنت يخاطب الداخل اكثر من الخارج ولكن في النهاية لن يستطيع ان يكسر الاجماع الافريقي والدولي على حق مصر المائي ومطالبها المشروعة». لافتا الى ان اثيوبيا «تجيد تضييع الوقت وتاخير اي التزامات ممكنة في اي مسار سلمي على امل ان تنتهي فترة ترمب دون التوصل لاتفاق».
ترجع الخبيرة الامريكية المختصة في الشؤون الاستراتيجية ايرينا تسوكرمان التشدد الاثيوبي الى «حالة الفخر الوطني» في نظرة اديس ابابا الى السد. موضحة انه يمثل بالنسبة للعديد من الاثيوبيين «تاكيدا للذات وتحررا من التبعية التاريخية بينما تسعى القاهرة لضمانات ملزمة وتحركاتها تاتي في ظل شكوكها في قدرة الجهات الخارجية على ممارسة ضغوط كافية لتحقيق مطالبها».
الوساطة الامريكية واستمرار الخلاف
ياتي ذلك بعد نحو شهر من ارسال ترمب خطابا رسميا الى الرئيس المصري يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات سد النهضة الاثيوبي والتوصل لحل نهائي وعادل للقضية وترحيب القاهرة بذلك.
قال ترمب في الخطاب ان واشنطن مستعدة للاضطلاع بدور فاعل في تقريب وجهات النظر بين الاطراف المعنية بما يحقق تسوية عادلة ونهائية لمسالة تقسيم مياه النيل ويضمن تلبية احتياجات الدول الثلاث على المدى البعيد.
عقب ذلك التقى عبد العاطي بنائب وزير الخارجية الامريكي كريستوفر لاندو في القاهرة. تضمن اللقاء الحديث عن حق مصر في نهر النيل والحفاظ على حقها المائي.
مصير الوساطة الامريكية
يعتقد العرابي وهو رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية ان حديث ابي احمد «هو تجاهل متعمد» لمسار الوساطة الامريكية. متوقعا ان يكون هناك موقف من واشنطن تجاه ذلك بعد انتهاء انشغالها بملفات مثل ايران لافتا الى ان مصر تعول على دور ترمب وان تدخله «سيكسر العناد الاثيوبي».
في حين ترى تسوكرمان ان تراجع النقاش العام حول الوساطة يعود في جانب منه الى تزايد الشكوك حول مدى جدية القوى الخارجية في الانخراط المستمر «ومن ثم تتضاءل التوقعات بتحقيق اختراق مدفوع خارجيا في ظل انشغال المفاوضين الامريكيين بالعديد من الازمات العالمية لا سيما في اوكرانيا وايران وغزة».
عبرت تسوكرمان في حديثها لـ«الشرق الاوسط» عن اعتقادها ان النتائج الاكثر ترجيحا في ظل غموض الوساطة ستتمثل في «ترتيبات فنية محددة بدلا من اتفاق سياسي شامل».
التحكيم القانوني حل ضعيف
اضافت سينصب التركيز على القواعد التي تنظم كيفية ملء اثيوبيا للخزان وتشغيله في ظل ظروف هيدرولوجية مختلفة. لافتة الى انه من بين الاحتمالات الملموسة بروتوكول ملزم لادارة الجفاف وتوسيع اثيوبيا اتفاقيات تصدير الطاقة الى جيرانها بما في ذلك السودان.
حال تعثرت الوساطة الامريكية يبقى التحكيم القانوني احتمالا ضعيفا من غير المرجح ان يكون حاسما. وحتى لو سعى احد الاطراف الى احكام قانونية دولية فسيكون انفاذها غير مؤكد ومثيرا للجدل سياسيا وفق تسوكرمان.
يرى المحلل السياسي الاثيوبي عبد الشكور عبد الصمد ان خفوت الوساطة الامريكية يرجع الى ان الهدف منها في الاساس جعلها معبرا لمشاريع اخرى. مشيرا الى ان الاولوية الان بالنسبة لترمب هي التعامل مع ملفات ملحة واهمها ايران واوكرانيا وملفات اقتصادية وسياسية داخلية في الولايات المتحدة.
اضاف لـ«الشرق الاوسط» ان الحل يكمن في عودة مصر لطاولة المفاوضات الثلاثية وتقديم الجميع التنازلات اللازمة بدلا من دفعهم «ثمن وساطة» لواشنطن.