رمضان في غزة مرارة الفقد والنزوح تتضاعف
مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يعيش عشرات آلاف النازحين في قطاع غزة حالة من القلق والفقد، حيث أصبح السؤال عمن سيجلس على المائدة بدل السؤال عن ماذا سنطبخ؟.
رمضان الذي كان يعج بالزينة واللمة العائلية، أصبح عند الكثيرين شهرا من الفقد العميق، واختبارا يوميا للصبر تحت خيام هشة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء.
ويبقى النازحون بانتظار اليوم الذي تعود فيه حياتهم إلى بيت يجمعهم حول دفء العائلة، بعيدا عن خيمة تقيد كل شيء وتفرض حدودها على كل لحظة من حياتهم.
أوجاع النازحين تتفاقم مع قدوم الشهر الفضيل
في إحدى الخيام في مواصي خان يونس، تجلس أم محمد العرجا (46 عاما)، النازحة من مدينة رفح، تقول بصوت خافت: لم أعد أفكر في قائمة مشتريات رمضان، ولا في زينة الفوانيس التي كانت تملأ شرفة بيتي الواسع قبل الحرب، والذي دمره الاحتلال الاسرائيلي قبل عامين.
وتضيف بحزن: أكثر ما يؤلمني اليوم هو الغياب… غياب زوجي إبراهيم (50 عاما) الذي قتله الاحتلال في بداية الحرب، وابني محمد (20 عاما) الذي لا يزال في عداد المفقودين، وغياب البيت الذي كان يجمعنا حول مائدة واحدة، وقد دمرته صواريخ الاحتلال.
تتوقف أم محمد قليلا، ثم تكمل حديثها: كنت أعد الزينة مع أولادي الثلاثة، محمد (20 عاما)، وعبد الله (18 عاما)، وعمار (14 عاما)، نتنافس على تعليق الهلال والفانوس… أما اليوم فلا أملك إلا صور زوجي وابني، فالحزن لم يترك متسعا للاحتفال.
الواقع المرير يخيّم على أجواء رمضان
وترفع أم محمد يديها بالدعاء، وتهمس بصوت خافت: نريد رمضان فيه أمان… لا أكثر.
ووفقا لمصادر طبية في قطاع غزة، فقد ارتفعت حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 72061 شهيدا منذ 7 تشرين الاول 2023، و171715 مصابا.
آلاء صلاح (35 عاما)، النازحة من شرق خان يونس إلى المواصي، تستعد لاستقبال رمضان الثالث منذ بداية الحرب الاسرائيلية على غزة في ظروف استثنائية.
ظروف استثنائية تزيد من معاناة الغزيين
وتقول: رمضان الذي كان شهر لمة ودفء، أصبح شهر مواجهة مع الفقد… عند أذان المغرب، تفيض الذكريات قبل أن تفيض الصحون القليلة بما تيسر من طعام.
وتتابع آلاء: نزحنا ثلاث مرات منذ بداية الحرب، فرمضان الاول قضيناه نازحين في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، وفي رمضان الثاني عدنا إلى بيتنا المدمر جزئيا في بلدة خزاعة شرقي خان يونس، وعشنا بين الجدران المتشققة، قبل أن يجبرنا القصف الاسرائيلي على النزوح مرة ثالثة إلى مواصي خان يونس، حيث سنقضي رمضان هذا العام.
وتضيف آلاء: الخوف الاكبر هو أننا لا نشعر بالامان في أي مكان… وأن نستيقظ على نزوح جديد أو تصعيد جديد في شهر رمضان.
حكايات من الخيام تروي ألم الفقد
أما حنان عبد الرحمن (30 عاما)، أم لثلاثة أيتام، فتجلس أمام خيمتها وهي تراقب أطفالها الذين يجمعون علبا فارغة لصنع فوانيس صغيرة، محاولة إدخال بعض البهجة الرمضانية في حياتهم الصعبة.
وتقول عبد الرحمن: بيتنا كان واسعا، كنا نفرش السجادة الكبيرة للصلاة جماعة، أما الآن فنصلي على رمل مبلل.
وتشير إلى الأرض في خيمتها، حيث مساحة صغيرة خصصت للطبخ، ويعلوها موقد بدائي من الحجارة، تعلوه قدور سوداء إثر الدخان، وبجانب الموقد، كومة حطب مرصوصة بعناية، تعد أثمن ما في الخيمة لأنها مصدر النار والدفء وطهو الطعام، فيما تختلط رائحة الدخان برائحة القماش الرطب لتملأ المكان كله.
صعوبات وتحديات تواجه النازحين في غزة
وتتابع: لقد قتل الاحتلال زوجي في حزيران الماضي، ومنذ ذلك الحين أصبحت المعيل الوحيد لعائلتي.
وتضيف بحزن: كنت أستند إليه لتأمين احتياجات البيت… أما اليوم فأحاول أن أكون الأم والأب معا.
لكن أكثر ما يكسر قلبها، سؤال طفلها الأصغر يزن: هل أبي يصوم معنا في الجنة؟.
أمنيات بسيطة تراود النازحين في رمضان
أما أبو عمر زعنونة (55 عاما)، النازح من مدينة غزة إلى مواصي خان يونس، فيقول: المخاوف في الخيام ليست واحدة، بل سلسلة متراكمة… فهناك القلق من عدم القدرة على توفير وجبتي الإفطار والسحور في ظل الغلاء الفاحش وارتفاع الأسعار.
ويعبر أبو عمر زعنونة عن ألمه الشديد قائلا: شهر رمضان سيحل ونحن ما زلنا في خيمة لا تقي حرا ولا بردا.
ويضيف بحزن: نشتاق إلى لمة العائلة في رمضان التي لن تكتمل، بعد فقدان ابني عمر (25 عاما) خلال قصف الاحتلال على خيام النازحين قبل عدة أشهر.
وفي نهاية كل يوم، يتكرر سؤالهم: هل سياتي رمضان المقبل ونحن ما زلنا هنا؟ أو سنعود إلى بيوتنا التي تركناها خلف الركام؟.
ومع ذلك، لا يخلو حديث النازحين في رمضان من أمنيات بسيطة: أن يتوقف النزوح، وتنتهي الحرب، وأن تكشف مصاير المفقودين، وأن يحل رمضان المقبل بلا خيام.