ما هو الفن الذي يحبه الناس؟

الباحث الاكاديمي والفنان التشكيلي زيد عدنان

من خلال النظر في الاعمال الفنية التي تستحوذ على محبة الناس واهتماماتهم والتي تترك الاثر في خلجاتهم واحاسيسهم ومن داخل البحوث والدراسات ومن وسط المتابعات والتعقبات فان تلك الاعمال وبمختلف المجالات اكانت اعمالا موسيقية او غنائية او مشاهد مسرحية ام افلاما سينمائية او مسلسلات تلفزيونية ام لوحات تشكيلية او منحوتات فنية او غيرها من الاعمال الادبية التي تحرك الناس وتجعلهم يرددوها او يكرروها او يتوقفون عندها للتأمل والمشاهدة، فهي في الغالب الاعم اعمالا تجسر وتشجع المهتمين على انشاء علاقة بينية، اي عندما يشعر الناس بتلقائية وعفوية وصدقية هذه الاعمال. فالفن عندما يتدفق بمصداقية من دواخل الفنان يفتح افاقا ومديات ويصل الى جمهوره ومتلقيه، وهنا يمكننا القول ان الجمهور والناس لايهتمون كثيرا للمهارة العالية او الدقة او الكمال، فالعديد من الفنانين يدرسون ويتدربون ويمارسون الفن بشكل واسع وكبير، ولكن بعض الاعمال التي قد تكون فاقدة للدقة او تحتوي على بعض الهفوات، ربما تنال الاهتمام والحب الاكثر والشهرة الاوفر، وهذا ما يدهش العديد من الفنانين والباحثين على حد سواء ويثير التساؤلات، فلماذا عمل متقن ومحكم وبمستوى عال قد لا يحظى بمحبة وتعلق الناس؟ على العكس من عمل اخر والذي يمكن ان يؤشر عليه بالعديد من الملاحظات والتنويهات والاستدراكات، ونتيجة للبحث في هذا الشأن او في هذه الظاهرة ان صح وصفها يوصلنا ويبلغنا ذلك الى ان الجمهور او الناس لاتقع في حب الاعمال التي يتم التحكم بها او الواقعة تحت السيطرة الكاملة للفنان، ربما تكون هذه الاعمال مبهرة ومذهلة، ولكننا لا نتكلم عن الابهار والادهاش، بل نقصد الاعمال التي تستحوذ على عاطفة الجمهور والتي تحمل منفذا او مدخلا او حرية اوسع، اي ان الاتقان العالي وما يتطلبه ذلك من اقناع العدد الاكبر من الناس او المتلقين قد يكون هو السبب الاكبر لعدم احساس وشعور ووصول العمل الى شريحة اوسع، فمعظم الفنانين يعتقدون بان مهمتهم هي ابتكار شيئا يفهمه الناس، اي ان فكرة العمل تكون واضحة، او يقوموا بشرح اعمالهم والفكرة التي تقف ورائها، ولكن الناس في الحقيقية لا تتواصل او تتفاعل مع هذه الشروحات بل تتفاعل مع اعمالا هي من تقوم بالتعرف عليها وادراكها دون وسيط او شروحات، او قد تكون ما تمتلكه هذه الاعمال من ابهام وعدم وضوح وتأويلات مستترة هي احد اهم الاسباب للتعلق بهذا النوع من الفنون، فالفن الذي يحبه الجمهور لايوصف بمعناه ومحتواه بل يقال بوصفه هذا ما شعرت به عندما شاهدته او سمعته، فهو يوحي بذلك الشعور او بتلك الاحاسيس، فقد يكون خطا او لونا في لوحة او شكلا او حركة في منحوتة او جملة موسيقية بسيطة غير معقدة او مشهدا من فلم او مسرحية او سطرا في كتاب او بيتا شعريا من قصيدة تؤثر اكثر من آلاف الكلمات والشروحات لعمل ما، لذلك ووصولا لهذا النوع من الفن فالناس لاتتوقف عند الشرح او الوصف والتوضيح.
واذا ما اراد اي فنان ان يكون فنه محبوبا من قبل الناس والمتلقين فعليه اولا اختيار خطا او نهجا خاصا وهذا يعني اختيار توجه معين يؤدي لابتعاد بعض الناس ممن لا يعجبهم او لايهتمون لذلك الاسلوب، فأرضاء الناس غاية لا تدرك، واذا ما جرب الفنان ارضاء الجميع فسيكون فنه لايخص احدا، فالاعمال الفنية التي لايرغبها البعض ستحظى على اهتمام ومحبة الاخرين، اي على الفنان ان يسأل نفسه ماهو الموضوع او الاتجاه او الاسلوب الذي سيكون عليه الفن الخاص بي؟ وباي وجهة سيكون؟ وفي اللحظة التي يجد فيها اتجاهه الواضح فانه سيجد جمهوره. ومن الجدير بالذكر ان الناس تهتم للاعمال التلقائية اكثر من اهتمامهم بالفن المخطط له بشكل استراتيجي مقولب، فمعظم المشتغلين بالفنون يحاولون الوصول الى اعمال تنال استحسان الناس وحبهم ويلاحقون الصيحات او ما يسمى في هذه الايام (بالترند) اي اتجاه السوق ومايريده، كل ذلك ينعكس على المنتج الفني ويفقده التلقائية والمصداقية وبذلك فالناس تشعر بان هذا المنتج الفني مخططا له ومتكلف وبعيدا عن العفوية، فكلما بالغ الفنان بجعل فنه محبوبا ومقبولا كلما جاءت النتائج معاكسة ومناقضة لما يريده، فالفن يحتاج الى نوع من الحرية والصدق الداخلي وهي مواصفات تعد بمثابة جواز سفر يستطيع من خلالها الابحار الى افاق ابعد واوسع واكثر رحابة وامتدادا.
ومن خلال الدراسة والبحث وجد بان الجمهور او الناس لاتحب الفن الذي يقدم لهم كون الفنان باهرا وماهرا فحسب، قد يكون ذلك مهما في عملية الادهاش والاذهال ولكن الناس لا تكتفي بذلك مطلقا، بل تبحث عن معاني اضافية اخرى وبالاخص فهي تميل وترغب للفنون التي تقلل شعورهم بالوحدة، والناس لا تبحث عن العبقري او النابغة، بل تبحث عن الشعور الجماعي الذي يوحي بمشاركة المشاعر والرفقة، فمن يقول انه اعجب بلوحة او منحوتة او عمل فني فخاري او موسيقى او فلما او قصيدة، فقد استطاع ذلك العمل من ايصال شعورا بنهاية وحدته حتى لو كان ذلك لبضعة دقائق قليلة، ويمكن تفسير مشاهدة فلم معين لعدة مرات او اعادة اغنية وتكرارها او الوقوف امام منحوتة فنية او لوحة تشكيلية والتمعن بها بشكل متكرر او ترديد قصيدة من خلال معاودة قراءتها او سماعها او اعادة مشاهدة مسرحية او فلما او مقطعا منه وتتابع قراءة رواية او كتابا فتسترجع هذه الممارسات الشعور بالحميمية والالفة، وكأن هذه الاعمال تحدثهم عن ذكريات معينة او احداث او رفقة فتصعد المشاعر الداخلية بشكل ملتهب ومتوهج.
وعليه يمكن نصح الفنانين بالتوقف عن اقناع الناس باعمالهم بل يفضل بمخالطة الجمهور والتعرف على تجاربهم وخبراتهم ومعرفة مايجول بخاطرهم وما يفكرون به ومتابعة هواجسهم، وهنا يجب ان يتغير احد اكثر الاسئلة شيوعا، هل هذا العمل الفني جيدا بما يكفي؟ الى هل هذا العمل الفني حقيقي ويتضمن المصداقية بداخله؟ وهنا يمكن التطرق الى نقطة مهمة وجوهرية؛ فمعظم الاعمال الفنية ذات المصداقية هي انعكاس لدواخل الفنان ويسعى اغلبهم الى الوصول الى استحسان ومحبة وتقدير الجمهور وما هذه الاعمال والنتاجات الفنية الا انعكاسا لدواخلهم وانكشافا واضحا لما يكنه الفنان من خلال منجزه.
وفي النهاية يمكن القول بان الناس او الجماهير او المتلقين لا يحبون الفن كونه فنا بل يحبون الشجاعة في طرح الافكار والاداء والجرأة في التنفيذ، فعندما ينجح عملا ما فانه على الارجح يظهر مقدارا من المصداقية في العمل والاداء والذي يعكس الجزء الذي بداخل الجمهور، وربما يشكل تخوفا وتوجسا او لم يتسنى لهم من التعبير عن ذلك في ما سبق وقد يكون كل ما ذكرناه سابقا يتعلق بهذه الجزئية فلذلك على الفنان الذي يروم ويرغب بانتاج عملا فنيا ان يتحرى فيه اعلى درجات المصداقية ويتقصى العفوية ويتجنب ويبتعد عن التكلف ليكون العمل الفني رسالة صدق وحقيقة وليس منتجا مؤدلجا ومخططا له استرتيجيا لكي يحبه الجمهور بل ليمثل سلسلة من المخاطرات والمجازفات الطويلة الممتزجة بالصدق والمشاعر الحقيقية في الاداء والشغف والجراة.
لعل الفنون والاعمال التي تنال محبة الناس وتستحوذ على احاسيسهم كانت بالاساس شعورا عفويا داخليا للفنان ترجمه الى اداء تنفيذي تقني ممزوجا بالتلقائية حين تمكن من تكثيف الخطاب التداولي والذي يمس فيه بواطن الامور في الدلالات الناتجة عن نظم العلاقات بجوهرها وتكويناتها وبشتى مسارات ومسالك الفنون واتجاهاتها.