في أثرٍ لا يُرى "تأمل في الإنسان حين يتأخر عن نفسه"

في أثرٍ لا يُرى
"تأمل في الإنسان حين يتأخر عن نفسه"

لا يحدث الانهيار دائمًا حين تسقط المدن، ولا حين تُطفأ الشاشات، ولا حين تصمت المصانع. أحيانًا يحدث حين تستمر الحياة بكامل كفاءتها، بينما ينسحب الإنسان من معناها خطوةً خطوة، دون أن يلحظ أحد، ودون أن يشعر هو نفسه أن شيئًا جوهريًا قد غادر. في تلك اللحظات، لا حاجة إلى إعلان طوارئ، لأن الخطر لا يُرى، ولا يُسمّى، ولا يُطالَب بمواجهة.
ما جرى للإنسان لم يكن هزيمة صريحة، بل إعادة ترتيب هادئة. لم يُسحَق بالقوة، بل أُقنِع أن السرعة فضيلة، وأن التوقف خلل، وأن السؤال عبء غير ضروري في عالم يريد نتائج فورية لا معنى طويل النفس. هكذا، وبمنطقٍ يبدو عقلانيًا، بدأ الإنسان يتنازل عن حقه في الدهشة، ثم عن حقه في الاعتراض، ثم عن حقه في أن يكون أكثر من وظيفة قابلة للاستبدال.
لم يختفِ الإنسان فجأة، لأن الاختفاء المفاجئ يوقظ الغرائز ويستفز المقاومة. لقد انسحب ببطء، كما تنسحب الأشياء التي كانت يومًا أساسية، ثم أُعيد تعريفها بوصفها فائضة عن الحاجة. في البداية، غاب عن الأسئلة الكبرى، ثم عن القرارات، ثم عن المعنى نفسه. صار يسأل أقل، لا لأنه بلغ الإجابة، بل لأنه تعلّم أن السؤال لا يغيّر المسار. والسؤال، حين يُهزم، لا يموت؛ بل يتحوّل إلى تعب داخليٍّ بلا اسم، إلى ثِقَلٍ غامضٍ يرافق الإنسان دون أن يعرف مصدره.
هذا العصر لم يحتج إلى القمع الصريح، لأن الإيقاع كان كافيًا. السرعة أصبحت معيار الذكاء، والبطء صار شبهة، والتأمل أُدرِج ضمن قائمة السلوكيات غير المنتجة. من لا يواكب لا يُقصى، ولا يُدان، بل يُتجاوَز بهدوء، كأنه تفصيل غير ضروري في مشهدٍ مكتمل سلفًا. وهكذا تعلّم الإنسان أن يكون حاضرًا دون أن يكون مهمًا، وأن يعيش دون أن يترك أثرًا يُقلق غيابه أحدًا.
السياسة لم تختفِ، لكنها تخلّت عن جوهرها دون صخب. لم تعد تسأل عن العدالة، بل عن الاستقرار. لم تعد تبحث عن الحقيقة، بل عن قابلية الواقع للإدارة. المواطن النموذجي لم يعد الواعي، بل المتكيّف؛ لم يعد السائل، بل القابل للضبط. هكذا صار الصمت فضيلة مدنية، وصار الامتثال شكلًا حديثًا من أشكال النجاة، وصار الغياب شرطًا غير مُعلَن للاندماج.
أما الاقتصاد، فقد تجاوز كونه نظام إنتاج، ليصبح فلسفة صامتة تُعيد تعريف القيمة. أقنع الإنسان أن قيمته تُقاس، وأن ما لا يُقاس لا يُحسب، وأن ما لا يُحسب لا يستحق القلق. العمل تحوّل إلى هوية كاملة، والبطالة إلى وصمة أخلاقية، والفقر إلى خطأ فردي، لا نتيجة منظومة ترى الإنسان بعد سقوطه، لا قبله. في هذا السياق، يمكن للمرء أن يعيش عمرًا كاملًا دون أن يكون حضوره إضافة، ودون أن يُشعِر أحدًا أن غيابه سيُحدث خللًا.
الثقافة، بدورها، لم تُقمَع، بل جُرِّدت من قدرتها على الإرباك. صارت خفيفة، سريعة، قابلة للاستهلاك والنسيان. لم تعد تضع الإنسان أمام مرآة قاسية، ولا تُقلق ضميره، ولا تُجبِره على مواجهة ذاته. وما لا يُقلق، لا يُغيّر. وما لا يُغيّر، يُستَخدم للزينة لا للتحوّل.
اجتماعيًا، لم نعد نعيش معًا، بل بمحاذاة بعضنا البعض. نتشارك الأمكنة، لا المصائر. نخشى الوحدة، لكننا نخشى أكثر القرب الحقيقي، لأن القرب مسؤولية، والمسؤولية عبء ثقيل في زمن الإنسان المُرهَق. هكذا صار الاتصال كثيفًا، والعلاقة هشة، وصار الإنسان محاطًا بالآخرين… دون أن يكون معهم.
الأخطر من كل ذلك، أن هذا الغياب لم يعد محسوسًا. أن الإنسان أقنع نفسه أن ما يحدث طبيعي، وأن الحنين إلى المعنى ترف، وأن البحث عن العمق نوع من الرومانسية غير الواقعية. عند هذه النقطة، لا يحتاج العالم إلى إسكات الإنسان، لأنه يكون قد تشكّل إنسان جديد: حاضر جسديًا، غائب وجوديًا، يتحرّك كثيرًا، ولا يتجه إلى أي مكان.
وأقول أنا:
الإنسان لا يختفي حين تُسلَب حريته، بل حين يتصالح مع غياب المعنى، ويُقنِع نفسه أن الفراغ نضج، وأن الاعتياد حكمة، وأن العيش بلا سؤال شكلٌ مقبول من أشكال النجاة.
وربما، حين نمعن النظر، سنكتشف أن ما نسمّيه اليوم إنسانًا، ليس إلا أثرًا متأخرًا لشيءٍ كان هنا، ثم تعلّم كيف يختبئ داخل ما يبدو طبيعيًا. وربما لا يكون الاختفاء انسحابًا كاملًا، بل انتظارًا طويلًا في منطقة رمادية، لا تُرى ولا تُسمّى. هناك، في ذلك الفراغ الهادئ، يُعاد تشكيل العالم بلا ضجيج، ويُترك السؤال معلّقًا: هل تأخر الإنسان عن عصره… أم عن نفسه؟

بقلمي 🖋️ د. عمّار محمد الرجوب