ازدواجية المعايير بين سياسة ترامب والعبث والاحتقار للقانون الدولي
ترامب "بطل في رياضة التناقضات العالمية"..
الأنباط – خليل النظامي
في مسرحية عبثية جديدة تضاف إلى سجل المختل "ترامب" الحافل بـ الهفوات والتناقضات، ظهر الرئيس الأمريكي مرة أخرى ليبهر العالم بعمق جهله وفوضوية رؤاه، فتجده من جهة يطلق دعواته العنصرية لترحيل المهاجرين من أمريكيا بحجة الحفاظ على "نقائها" وفي محاولة يائسة لرسم صورة زائفة لأرض لم تكن يوما تحمل مفهوم الوطن عبارة عن شتات تجمع بقايا وشتات الحروب، ومن جهة أخرى يجاهر برغبته في اقتلاع سكان غزة من أرضهم، وكأن تهجير الشعوب "هوايته الجديدة".
إعلان ترامب عن نقل سكان غزة إلى دول الجوار ليس فقط بمثابة صفعة لـ القانون الدولي، بل احتقار صارخ لكل ما تبقى من منطق في هذا العالم، فهل يعلم أن النقل القسري لـ السكان الأصليين هو جريمة ضد الإنسانية وتصنف من ضمن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية؟ أم أنه ببساطة يظن أن القانون الدولي مجرد فصل في كتاب هزلي لا يقرأه أحد ؟
تصريحاته هذه ليست سوى حلقة جديدة في مسلسل عبثي يضاف إلى إرثه المتهالك، إرث يستند إلى خطاب شعبوي يعج بـ الجهل ويفتقر إلى أي بعد أخلاقي أو قانوني، والأدهى من ذلك أن هذا التصريح قد يفتح عليه أبواب المساءلة الدولية، إذ يمكن اعتباره دليلا يضاف الى ملف التحقيقات المتعلقة بـ فلسطين في المحكمة الجنائية الدولية، ويبقى السؤال الان هل ترامب يدرك حجم الورطة التي يلقي بنفسه فيها ؟ أم أنه كعادته يمضي في طريقه، محصنا بجدار الغطرسة؟
الى ذلك، في الوقت الذي يدعو فيه الى طرد المهاجرين من الولايات المتحدة تحت شعار حماية "الحلم الأمريكي، وأمريكا أولا"، نجده يطالب بترحيل سكان غزة إلى مصر والأردن، وكأن الأرض الفلسطينية ملكية خاصة ورثها يعلن عن توزيعها كما يشاء، فعلا وبكل حق يا له من تناقض فج,,,! فمن جهة يتحدث عن السيادة والأمن، ومن أخرى يدعو إلى انتهاك حقوق شعوب بأكملها، وكأنه يتسلى برسم الخرائط البشرية كما يحلو له.
علاوة على ان ازدواجية المعايير التي يمارسها ترامب تعكس افتقاره لأي رؤية استراتيجية أو حتى ذرة من الحس الإنساني، فهو لا يرى في سكان غزة سوى عبء يمكن التخلص منه، متجاهلا تاريخهم ومعاناتهم تحت وطأة الاحتلال الإرهابي، حتى بل إنه يحاول تحميل دول الجوار (الأردن وفلسطين) اللتان يعانيان أصلا من أعباء سياسية واقتصادية مسؤولية جريمة يرعاها الاحتلال "الإسرائيلي" المتطرف.
أما تصريحات ترامب حول غزة فهي ليست مجرد كلمات عابرة ؛ بل استهتار فاضح بـ القوانين الدولية التي تمنع النقل القسري للسكان تحت أي ظرف، فهل سمع يوما ترامب بما يعرف بـ اتفاقيات جنيف لعام 1949 ؟ أم أنه يعتقد أن القانون الدولي مجرد شعار يرفع في المحافل الدبلوماسية ؟
من الواضح أن هذا لم يقرأ المادة 49 من اتفاقية جنيف تلك التي تحظر النقل القسري للسكان في الأراضي المحتلة، فلو كان قد قرأها لما تجرأ على إطلاق هذه التصريحات التي تدين نفسها بنفسها، بل إنها تصريحات ربما تضاف كـ أدلة دامغة في ملفات المحكمة الجنائية الدولية، لتثبت أن ترامب لا يكتفي بـ انتهاك حقوق المهاجرين داخل بلاده فقط، بل يصدر خطابا يدعو فيه الى تهجير شعوب بـ أكملهامن أراضيها الأصيلة.
عموما، قد يكون ترامب الوحيد الذي يمارس السياسة وكأنها لعبة شطرنج عشوائية، إذ يحرك القطع بلا هدف ولا استراتيجية، وبينما يحاول تسويق نفسه كـ بطل قومي يحمي "نقاء السلالة الأمريكية غير معروفة الأصل والفصل"، فإن أفعاله وتصريحاته تكشف عن شخصية تعيش في عالم مواز، عالم فيه الغطرسة تغني عن الحكمة، والجهل يغلف بشعارات جوفاء.
في نهاية الحديث أقول : قد يكون ترامب حالة فريدة في تاريخ السياسة الأمريكة ؛ حالة تذكرنا أن السياسة ليست مجرد خطب رنانة وشعارات فارغة، وإنما مسؤولية تتطلب احترام القانون والإنسانية، ولكن هل السيد ترامب مستعد لـ التعلم ؟ أم أنه سيظل يغرق في مستنقع تناقضاته ؟ الأيام القليلة القادمة وحدها ستجيبنا..!!!!.