banner
كتّاب جهينة
banner

المعايطة وطبّالو الكراسي وتجار المناصب... عيب استحوا!

{clean_title}
جهينة نيوز -

بقلم الكاتب والمحلل الأمني د. بشير الدعجه

ما يجري على منصات التواصل الاجتماعي عقب حادثة كنيسة حمود في محافظة الكرك... وحادثة شارع المدينة المنورة التي انتهت باستشهاد العريف البطل جواد السلايطة... لا يمكن المرور عليه باعتباره مجرد آراء أو اجتهادات أو نقاشات حول الشأن الأمني... فما نشهده من حملات وهجمات على مدير الأمن العام اللواء عبيد الله المعايطة... والمطالبة بإحالته إلى التقاعد ... بالتزامن مع ظهور أسماء يجري الترويج لها وتلميعها باعتبارها البديل القادم... يطرح تساؤلات مشروعة حول دوافع هذه الحملات وتوقيتها والغاية الحقيقية منها.

عيب... استحوا!

هل أصبحت دماء شهدائنا ومصائب وطننا فرصة للبعض حتى يفتحوا بازار المناصب ويبدأوا بتسويق الأسماء والأصدقاء والمعارف والأقارب؟ وهل أصبحت الحوادث الأمنية مناسبة لتصفية الحسابات الشخصية... أو لتهيئة الرأي العام لأسماء يريد أصحابها الوصول إلى موقع المسؤولية؟ بأي منطق وأي أخلاق يتحول استشهاد رجل أمن إلى مادة للتشهير والتجريح... ومنصة لتلميع هذا الشخص أو ذاك؟!

الأكثر استغراباً أن بعض هؤلاء لم ينتظروا حتى تنتهي التحقيقات... وتظهر الحقائق... وتُقيّم الأجهزة المختصة ما جرى... بل سارعوا إلى إطلاق الأحكام وتوجيه الاتهامات... وكأنهم يمتلكون المعلومات والتحليلات والحقائق كاملة... ثم انتقلوا إلى الترويج لبدائل جاهزة... وكأن منصب مدير الأمن العام أصبح استحقاقاً اجتماعياً أو مكافأة للأصدقاء والمقربين... وليس موقعاً سيادياً وأمنياً بالغ الحساسية.

أقولها بصراحة... من يريد أن يخدم الأردن فليخدمه بالفعل لا بالاستعراض... ومن يمتلك ملاحظات مهنية فليقدمها عبر القنوات المؤسسية... ومن لديه نقد موضوعي فليطرحه بأدلة ومعايير واضحة... أما استغلال دماء الشهداء والظروف الأمنية الصعبة لتصفية الحسابات أو التسويق لأسماء بعينها ... فهذه ليست غيرة على الوطن... بل إساءة للوطن وللمؤسسة الأمنية ولتضحيات رجالها.

أما اللواء عبيد الله المعايطة... فإن الإنصاف يقتضي أن نتحدث عن تجربته بعيداً عن العواطف والمجاملات... فهذا الرجل أمضى قرابة خمس سنوات في قيادة جهاز الأمن العام... وهي مدة طويلة نسبياً في موقع أمني بهذا المستوى من المسؤولية... استطاع خلالها أن يرسخ حضوره القيادي... وأن يقود مؤسسة أمنية تعمل في ظروف استثنائية وإقليمية شديدة التعقيد.

ولكي نكون منصفين... فإن تقييم أي مدير للأمن العام لا يكون من خلال منشور على فيسبوك... ولا من خلال حادثة واحدة أو حادثتين مهما كانت خطورتهما ولا من خلال حملات المديح أو الهجوم... بل من خلال معايير أمنية ومؤسسية واضحة ... في مقدمتها قدرة الجهاز على فرض سيادة القانون، ومكافحة الجريمة المنظمة، وملاحقة المطلوبين والخارجين على القانون، والحد من معدلات الجريمة، وتعزيز الأمن الوقائي والاستباقي، ورفع كفاءة الاستجابة للحوادث، وحماية الأرواح والممتلكات.

ومن معايير النجاح أيضاً قدرة القيادة على المحافظة على الأمن والاستقرار في ظل محيط إقليمي ملتهب... والتعامل مع التحديات الإرهابية والفكر المتطرف، وحماية الحدود والمجتمع من تداعيات الأزمات المحيطة، إلى جانب توفير بيئة آمنة للمواطن والتاجر والمستثمر، وتعزيز ثقة المجتمع بالمؤسسة الأمنية، ورفع مستوى الاحترافية والانضباط والجاهزية لدى مرتباتها.

وهناك معيار لا يقل أهمية عن كل ذلك... وهو إدارة الموارد البشرية والتطوير المؤسسي، والارتقاء بالتدريب والتأهيل والتكنولوجيا والقدرات الفنية، وتحقيق التكامل بين التشكيلات والوحدات الأمنية، والاستجابة لشكاوى المواطنين، وترسيخ مبدأ المساءلة والمحاسبة، والمحافظة على حقوق الإنسان أثناء تنفيذ الواجبات الأمنية.

هذه هي المعايير التي ينبغي أن نحاكم بها التجربة القيادية... لا عدد المنشورات... ولا حجم الحملات... ولا الأسماء التي يجري تسويقها في الغرف المغلقة وعلى منصات التواصل الاجتماعي.

ولا يعني ذلك أن المؤسسة الأمنية فوق النقد... أو أن أي مسؤول بمنأى عن المساءلة والتقييم... بل على العكس... إن النقد المهني ضرورة لتطوير الأداء، ومراجعة الأخطاء واجب مؤسسي، والتحقيق في أي تقصير مسؤولية لا يجوز التهاون فيها... لكن هناك فرقاً شاسعاً بين النقد المسؤول وبين حملات التشهير... وبين المطالبة بتطوير الأداء وبين استغلال الأحداث الأمنية لتصفية الحسابات الشخصية.

أما استشهاد العريف البطل جواد السلايطة.. فهو مصاب وطني كبير... ودماؤه ليست مادة للمزايدات ولا جسراً يعبر عليه أصحاب المصالح للوصول إلى غاياتهم... هذا الشهيد أدى واجبه... وقدم حياته في سبيل أمن الأردن... ويستحق منا جميعاً الوفاء لتضحيته... ومراجعة كل ما يلزم من إجراءات وتدابير لتعزيز حماية رجال الأمن... واستخلاص الدروس العملياتية من الحادثة... دون استباق نتائج التحقيقات أو تحويل المأساة إلى ساحة لتبادل الاتهامات.

وليعلم الجميع أن مدير الأمن العام ليس منصباً يتداوله المؤثرون... ولا وظيفة يقررها أصحاب العلاقات والصداقات... ولا موقعاً يمكن حسمه عبر حملات الترويج والتلميع... إن تعيين مدير الأمن العام أو إنهاء خدماته أو إحالته إلى التقاعد شأن من صلاحيات جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين... وفق أحكام الدستور والإجراءات الرسمية... وليس من اختصاص مجموعات التواصل الاجتماعي أو أصحاب الأجندات الشخصية.

ومن يعتقد أن لديه مرشحاً مناسباً... فليحتفظ بترشيحاته لنفسه... وليتوقف عن تسويق الأصدقاء والأقارب والمعارف على حساب هيبة الدولة ومؤسساتها... فالأردن ليس شركة خاصة... والأمن العام ليس ملكية شخصية... والمناصب العامة ليست إرثاً اجتماعياً ينتقل بين الأصدقاء والمقربين.

لقد تعبنا من ثقافة صناعة الأسماء قبل أن تتولى المسؤولية... ومن حملات التلميع التي تبدأ قبل صدور أي قرار... ومن أشخاص يتحدثون باسم المصلحة الوطنية بينما تحركهم حسابات شخصية ومصالح ضيقة... والأكثر إيلاماً أن بعضهم لا يظهر إلا عند الأزمات... لا ليقدم حلاً أو فكرة أو مبادرة... بل ليصنع من الأزمة فرصة لتسويق نفسه أو تسويق من يريد.

إن الأردن أكبر من هذه الحسابات... والأمن العام أكبر من هذه الحملات... ورجال الأمن الذين يواجهون الخطر في الميدان يستحقون منا أن نكون سنداً لهم... لا أن نحول تضحياتهم إلى مادة للمتاجرة السياسية والاجتماعية.

اللواء عبيد الله المعايطة يستحق أن يُقيّم بتجربته وإنجازاته وما قدمه للمؤسسة الأمنية... لا بحملات تستثمر في الحوادث المؤلمة... وإذا كان هناك قرار بالتغيير أو الاستمرار... فهو قرار الدولة وقيادتها... وليس قرار أصحاب المنشورات والتوصيات والصداقات.

وأخيراً... أقول لهؤلاء الذين استغلوا الظروف الأمنية الأخيرة لفتح بازار المناصب وتلميع الأسماء: عيب استحوا... فهناك دماء زكية سالت... وهناك عائلات فقدت أبناءها... وهناك رجال أمن يواصلون الليل بالنهار لحماية هذا الوطن... احترموا وجع الناس... واحترموا تضحيات الشهداء... واحترموا مؤسسات الدولة.

فالأردن ليس ساحة لتصفية الحسابات... والأمن العام ليس فرصة لتوزيع المناصب... ودماء الشهداء ليست سلّماً يصعد عليه أصحاب المصالح... اتقوا الله في هذا الوطن.
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير