العالم في عيون العربي
من المعروف أنه كلما اتسع العقل اتسعت الرؤية، فالعقل يستوعب العالم ويراه، ليس فقط من خلال تجربته له، بل أيضًا من خلال ما يفكر فيه. صحيح أن العقل يكوّن أفكاره ورؤاه انطلاقًا من الواقع واحتكاكه بالعالم، لكن احتكاك العربي بالعالم يتم بناءً على أفكار مسبقة ورثها من بيئته الاجتماعية والدينية والأيديولوجية، أي إن المجتمع والناس والدين من حوله يؤثرون في رؤيته للعالم.
وفقًا للرؤية الدينية، تبنّى العربي تصورًا للعالم بوصفه ديارًا مقسّمة إلى دار حرب ودار سلام، وبلاد كفر وبلاد إسلام، فكل ما يخالف رؤيته الدينية يُحكم عليه دينيًا بالكفر، وأيديولوجيًا بأنه يعيش في دار حرب لا في دار سلام، وأنه بلد للفسق والانحلال، لا بلد تحكمه شريعة الإسلام.
علينا مراجعة هذه الرؤية، التي تشكّلت في العصور الوسطى نتيجة صراع ديني امتد مئات السنين بين أوروبا المسيحية والشرق العربي المسلم، وذلك باستخدام العقل والمنطق اللذين يستطيعان حمايتنا من الوقوع في الخطأ، فماضينا وماضي الآخرين قد انقضيا دون رجعة، والعالم اليوم قائم على المصالح المشتركة والتعاون العلمي والاقتصادي في شتى المجالات، بما يسهم في حل مشكلات الناس وجعل حياة كل إنسان ذات قيمة في حد ذاتها.
لا ننفي أن العالم خالٍ من المؤامرات والانتهاكات لحقوق الإنسان والحروب والأطماع التجارية والمالية الرامية إلى السيطرة على العالم، ولكن هذه الممارسات لا تمثل غالبية دول العالم، ولا تحظى بتأييد دولي واسع، ولا يقبلها الرأي العام العالمي.
لا أحاول تجميل وجه العالم، ولكني أدعو العرب إلى تجديد رؤيتهم للعالم، انطلاقًا من الواقع العالمي، ووفقًا لما يقوله العقل ويفرضه المنطق السليم، الذي يدعو إلى التريث في إصدار الأحكام المطلقة واليقينية دون نقد أو تفكّر.
من الغريب أن العرب الذين عاشوا مع الآخرين واكتسبوا خبرة حياتية بعيدًا عن مجتمعاتهم كوّنوا أفكارًا جديدة، أكثر انفتاحًا وواقعية تجاه الآخرين، مقارنةً بالعرب الذين لم يسافروا ولم يختبروا الحياة خارج بيئتهم الاجتماعية والدينية، التي قد تشحنهم بالتعصب وتغذي لديهم تصورات غير دقيقة عن الآخرين، وتدفعهم إلى كراهيتهم والحكم عليهم بالكفر والإلحاد أو الزندقة والفسوق، دون أي دليل عقلي سليم.
لا شك أن العربي تألّم من الأطماع الغربية والاستعمار الذي تعرّضت له بلاده، وما زالت خيرات بلاده مستباحة من قبل دول غربية ذات نزعات استعمارية، كما أن الغرب هو الذي زرع الكيان الصهيوني الاستعماري في قلب العالم العربي، لكن زاوية النظر إلى أفعال الغرب والحكم عليها لا ينبغي أن تقتصر على المنظور الديني، بل الأجدر بنا أن ننظر إليها من زاوية الأطماع الاقتصادية والاستعمارية التي توظّف الدين في خدمة أهدافها.
خلاصة القول، ليس علينا، كعرب، أن نكون ساذجين، فيستغلنا رجال الدين لدفعنا إلى كراهية كل من لا ينتمي إلينا، دون أن نعرفهم أو نختبر العالم الذي يعيشون فيه، كما لا ينبغي أن نقبل بأن يستغلنا الاستعمار والقوى الرأسمالية لتنفيذ سياساتها، رغم تعارضها تاريخيًا مع مصالح بلادنا ومصالحنا.
إن تجديد رؤيتنا للعالم يتطلب الواقعية في إصدار الأحكام، وتوسيع آفاق العقل العربي ليفكر خارج الصندوق الذي حبس فيه رجال الدين العقل العربي منذ قرون، ولم يتحرر منه بعد.
د. جورج الفار











