2026-10-27 - الثلاثاء
banner
كتّاب جهينة
banner

شوارع بأسماء أخرى

{clean_title}
جهينة نيوز -

سعيد الصالحي

أستخدم أسماء عجيبة وغريبة لبعض شوارع عمّان، لدرجة أنني أنسى أحيانًا أسماءها الأصلية، وأجد نفسي مضطرًا إلى بذل بعض الجهد لاستعادتها. ولا أعرف إن كان الأمر يقتصر عليّ، أم أن لكل منا خريطته الخاصة التي لا تتطابق بالضرورة مع الخرائط الرسمية، ولا تعترف كثيرًا باللوحات الزرقاء المزروعة على جنبات الطرق.

كثيرًا ما أفكر في السبب الذي يدفع أمانة عمّان والبلديات إلى إطلاق أسماء على الشوارع والميادين، وهي تعلم أن الناس قد يتوارثون أسماء شعبية لها، ولا يستخدمون الأسماء المثبتة على الشاخصات المرورية واللوحات الإرشادية إلا نادرًا. ولا أظن أن الأمر يتعلق بمحاولة فرض الأسماء الرسمية على الناس، أو بتمرد الناس عليها؛ فالمسألة أبسط من ذلك، وربما أكثر إنسانية.

شوارعنا التي وُلدت وشقّت الأرض بالطول والعرض، ونبتت شجيراتها في جزيراتها الوسطية، أخذت تتغير مع الزمن، وتتبدل معالمها واتجاهاتها، وتتآكل جزيراتها كلما كبرت في العمر. ومع ذلك، بقيت أسماء شعبية كثيرة على حالها، بعدما أطلقها أحدنا ذات يوم، وارتضيناها وتداولناها حتى أصبحت جزءًا من ثقافتنا الشفوية المتوارثة.

فعلى الرغم من احترامي لأصحاب الأسماء التي تطلقها الأمانة على الشوارع الأقل شهرة، فالشوارع مقامات، فإننا لا نستخدم أسماءها الرسمية في حياتنا اليومية إلا نادرًا. نقول شارع بيتنا، وشارع المدرسة، ودوار المسجد الفلاني. نحن أكثر التصاقًا بشوارعنا البسيطة، فنمنحها شيئًا من ذواتنا، ونطلق عليها ألقابًا ساخرة أو محببة، أو أسماء تختصر حكاية لا يعرفها سوانا.

ولديّ، على سبيل المثال، شارع أسميه «شارع المستعجلين». ففي كل مرة أمرّ به، ألاحظ اندفاع السائقين وكثرة إطلاقهم لأبواق السيارات، حتى وجدت أن هذا الاسم يختصر المشهد كله.

أما إشارته الضوئية، فقد منحتها اسمًا لا يقل غرابة: «إشارة الأمن القومي». فما إن يتحول الضوء إلى الأخضر حتى تبدأ أبواق السيارات بالعزف خلفي، وكأنني أتعمد تعطيل الطريق، أو أؤخر اجتماعًا بالغ الأهمية للأمن القومي، ولا بد من التحرك فورًا لإنقاذ الموقف. لا يمنحني بعض السائقين وقتًا كافيًا لرفع قدمي عن المكابح، حتى أشعر بأنني ارتكبت مخالفة تستدعي تدخل جهات عليا!

قد تبدو هذه الأسماء مجرد تسميات عابرة، لكنها بالنسبة إليّ جزء من علاقتي بالمكان. فالناس لا يكتفون بالسكن في الأمكنة، بل يعيدون تسميتها، ويضيفون إليها حكاياتهم وطباعهم، حتى تصبح أسماؤها الشعبية أقرب إليهم من الأسماء المثبتة على اللوحات.

وربما يأتي يوم تتغير فيه ملامح شارع المستعجلين، وتختفي إشارته الضوئية أو يُعاد تنظيمها، لكنني لا أضمن أن أتخلى عن اسميهما بسهولة. فقد يحدث أن أمرّ بالمكان بعد سنوات، فلا أجد شيئًا مما أعرفه اليوم، ومع ذلك سأظل أبحث عن شارع المستعجلين وإشارة الأمن القومي، كأنهما لا ينتميان إلى عمّان التي أراها الآن، بل إلى عمّان التي صنعتها لنفسي، شارعًا شارعًا، واسمًا بعد اسم.
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير