مسيحيّو الكرك ومسلموها… «كيفك خيّه؟ وأبشري يا بنت عمّي»؛ حين تصبح الأخوّة خبزًا يوميًّا
بقلم: الدكتورة إيمان الشمايلة
في الكرك، قد تبدأ الحكاية بعبارة: «كيفك خيّه؟»، ويأتي الجواب من القلب قبل اللسان: «أبشري يا بنت عمّي». وبين السؤال والجواب تختصر حكاية مجتمعٍ لم يجعل الاختلاف حاجزًا بين القلوب، بل عرف كيف يجعل من الجيرة قرابة، ومن العِشرة عهدًا، ومن الإنسان قيمةً تسبق كلّ تعريفٍ آخر.
في الكرك، ليست عبارة «بنت عمّي» مجرّد نداءٍ اجتماعي، بل ذاكرةُ انتماء. وليست كلمة «خيّه» مجرّد لهجةٍ محليّة، بل اعترافٌ صادق بأنّ بيننا ما هو أعمق من اختلاف الأسماء والمعتقدات؛ بيننا خبزٌ اقتُسم، وأفراحٌ اجتمعت، وأحزانٌ تقاسمتها البيوت، وأعمارٌ مرّت فيها الوجوه جنبًا إلى جنب حتى صار بعضها جزءًا من حكاية بعض.
وحين تقع الفزعة، لا يقف الإنسان طويلًا ليسأل عن اسم الطائفة أو خلفيّة المعتقد؛ إنّه يسأل: مين أخونا؟ ومين محتاجنا؟ ووين لازم نكون؟ ثم يمضي، لأنّ النخوة في معناها الأصيل لا تنتظر بطاقة تعريف، ولا تفتّش في ضمير الإنسان قبل أن تمدّ يدها إليه. إنّها تستجيب لنداء الكرامة، وتعرف أنّ ساعة الشدّة هي اللحظة التي تُختبر فيها حقيقة الروابط، لا جمال الكلمات.
إنّ مسيحيّي الكرك ومسلميها ليسوا حكايتين متجاورتين، بل صفحاتٌ من كتابٍ واحد؛ كتابٍ خطّته البيوت المتقاربة، والطرقات التي جمعت الخطى، والمناسبات التي تبادل فيها الناس التهاني، واللحظات التي وقفوا فيها معًا لأنّ الوجع لا يسأل عن العقيدة، ولأنّ الفرح يتّسع حين يجد من يشاركه.
فما قيمةُ حديثنا عن التسامح إن لم يظهر في سلام الصباح؟ وما قيمةُ الشعارات إن لم تتحوّل إلى رغيفٍ يُشارك، وجارٍ يُسأل عنه، ويدٍ تُمدّ عند الحاجة، ودمعةٍ تجد كتفًا يستقبلها دون سؤال؟
الكرك ليست جميلةً لأنّ أبناءها متشابهون، بل لأنّهم عرفوا كيف يكونون أهلًا رغم اختلافهم. وفي هذا سرٌّ من أسرار المجتمعات العريقة: أن تتحوّل القيم الكبرى إلى عاداتٍ صغيرة، وأن تصبح المحبّة سلوكًا يوميًّا لا مناسبةً موسميّة.
ستبقى «كيفك خيّه؟» أوسع من سؤال، و«أبشري يا بنت عمّي» أعمق من جواب؛ ستبقيان صوتًا من أصوات الكرك التي تقول إنّ القرابة قد تجمعها الأنساب، لكنّها قد تصنعها أيضًا المواقف، وتحفظها العِشرة، وتمنحها الكرامة.
وستبقى خبزة الصباح، وسلام الراهب، وفزعة الجار، ودفء البيوت، شواهدَ على أنّ الوطن لا يُبنى بالحجارة وحدها، بل بما يسكن قلوب الذين يعيشون فيه.
فحين ينادي المسلم أخاه المسيحي: «كيفك خيّه؟»، وتقول المسيحية لجارها المسلم: «أبشر يا ابن عمّي»، لا يكونان مجرّد شخصين يتبادلان التحية؛ إنّهما يختصران فلسفة وطنٍ كامل: نحن مختلفون في ما نعتقد، لكنّنا شركاء في الأرض، والجيرة، والكرامة، والذاكرة، والمصير.
وهكذا كانت الكرك، وهكذا نريدها أن تبقى: مدينةً تتّسع لأبنائها جميعًا، ويحرس فيها الودُّ ما بنته الأجيال، ويظلّ الإنسان فيها أخًا قبل أن يكون عنوانًا، وجارًا قبل أن يكون تصنيفًا، وابنًا لهذه الأرض قبل أيّ شيء.
حفظ الله الكرك وأهلها، وحفظ الأردنّ بيتًا واحدًا، تظلّل أبناءه المحبّة، وتصونهم الحكمة، وتجمعهم نخوةٌ لا تعرف إلا طريق الأخوّة.













