مبادرة نون تتأمل "قد يكون وهما" للقاصة حنان الباشا
مبادرة نون تتأمل "قد يكون وهما" للقاصة حنان الباشا
نظمت مبادرة نون للكتاب، يوم السبت 17 تشرين الأول/أكتوبر 2026، في مكتبة مؤسسة عبد الحميد شومان بجبل عمّان، جلسة نقاشية لمناقشة المجموعة القصصية "قد يكون وهماً" للقاصة الأردنية حنان الباشا، بمشاركة القاص طارق عودة في تقديم الجلسة، والدكتور هشام قواسمة في تقديم القراءة النقدية، فيما أدار الحوار الناقد أسيد الحوتري.
وفي القراءة النقدية التي قدمها الدكتور هشام قواسمة، تناول التجربة الإنسانية التي تنهض عليها قصص المجموعة، مشيرا إلى أنها تتصل بعالم من الذكريات والأمل والألم، وأنها تعيد تشكيل التجربة الإنسانية تحت تأثير الرهبة والخوف والقلق. وتوقف عند عنوان المجموعة "قد يكون وهماً"، واصفا إياه بالعنوان الدلالي الذي يقف في منطقة وسطى بين الوهم والحقيقة، فلا يحسم طبيعة ما يجري في النصوص، ولا يتيح للقارئ الجزم إن كان ما يواجهه وهما خالصا أم حقيقة مكتملة أم مزيجا منهما. ورأى أن العنوان يتماهى مع عدد من قصص المجموعة، ويؤسس لأفق تأويلي مفتوح تتداخل فيه الوقائع مع المشاعر والتصورات النفسية.
كما أشار قواسمة إلى الدلالات البصرية للوحة الغلاف وألوانها، وما تحمله من ارتباط بعالم المرأة وأحاسيسها ومشكلاتها ومخاوفها. وأوضح أن المجموعة تطرح أسئلة إنسانية واجتماعية ونفسية متعددة، من دون أن تقدم حلولا جاهزة، إذ تترك للقارئ مهمة التأمل في القضايا التي تثيرها، واستكشاف ما تنطوي عليه من تعقيدات وتناقضات.
وتوقف الناقد عند عناوين القصص، مشيرا إلى أن كثيرا منها يتحرك في منطقة وسطى بين احتمالات متباينة، فلا يتجه إلى الحسم بقدر ما يعكس حالة من التشظي والتردد. وربط هذه السمة بعنوان المجموعة نفسه، معتبرا أن عدم القطع بدلالة واحدة ينسجم مع تشظي النفس البشرية وتعدد الحالات التي تعبر عنها الشخصيات. وفي تناوله للزمن والذاكرة، لفت إلى عدم استقرار الأزمنة في النصوص، إذ قد تختزل جملة واحدة زمنا طويلا، فيما يستمر أثر حدث ماض في الحاضر من خلال مشاعر لم تنته بانتهاء الواقعة التي أطلقتها. وبهذا يتداخل الماضي مع الحاضر، وتغدو الذاكرة عنصرا فاعلا في تشكيل التجربة السردية، لا مجرد استعادة لأحداث سابقة.
وفي سياق قراءته لوعي المرأة في المجموعة، أوضح قواسمة أن القصص تستكشف تجاربها الإنسانية في علاقاتها الزوجية والأسرية والاجتماعية، من خلال علاقتها بأطفالها وزوجها ووالدها وأختها وأقاربها وصديقاتها. ورأى أن هذه العلاقات تكشف عن وعي المرأة بما يدور حولها، وعن إدراكها لتعقيدات محيطها وما يفرضه عليها من ضغوط وتحديات.
أما على مستوى اللغة، فأشار إلى طابعها الشعري المكثف، مؤكدا أنها لم تأت تزيينية أو منفصلة عن البناء السردي، بل أدت وظيفة فنية في خدمة النص وتعميق دلالاته. واستشهد بنص بدا، في بنيته اللغوية وإيقاعه وتكثيفه، أقرب إلى قصيدة نثرية، بما أظهر تماهيا بين لغته والمعنى الذي تحمله القصة.
واختتم قواسمة قراءته بطرح أسئلة نقدية مفتوحة، دعا إلى مواصلة البحث فيها، من بينها: كيف يمكن تتبع دلالة عنوان المجموعة في قصصها المختلفة؟ وكيف يمكن قراءة فهرس المجموعة وترتيب قصصها بوصفهما جزءا من بنائها الفني؟ ولماذا اختارت حنان الباشا عنوان "قد يكون وهما" تحديدا، وما الغاية الدلالية والفنية من هذا الاختيار؟ وهي أسئلة تفتح المجال لقراءات نقدية لاحقة، وتتيح مقاربة المجموعة من زوايا تتجاوز موضوعاتها المباشرة إلى طرائق بنائها وعلاقات نصوصها بعضها ببعض.
وعقب القراءة النقدية، انتقل المتحاورون إلى مناقشة عدد من القضايا الفنية والفكرية التي تثيرها المجموعة، وفي مقدمتها الكتابة النسوية وعلاقتها بالتجربة الإنسانية والاجتماعية للمرأة، وذلك في ضوء أطروحات الكاتبة البريطانية فرجينيا وولف، ولا سيما مفهوم "الغرفة الخاصة" وما يرتبط به من استقلال مادي وفكري يتيح للمرأة ممارسة حريتها وتحقيق ذاتها.
وفي هذا السياق، ناقش المتحاورون حضور المرأة في فضاءات تضيق بخياراتها، سواء في المحكمة وما تطرحه من أسئلة الطلاق والتحرر في قصة "أوراق ثبوتية"، أو في دار الإفتاء وإعادة المرأة إلى زوجها في قصة "لا تدعه يحتضر"، أو داخل بيوت الزوجية التي تستنزف الذات وتضع المرأة أمام صراع بين الرغبة في التحرر والالتزام بالواجبات الأسرية، كما في قصة "منتصف أشياء كثيرة". وامتد النقاش إلى أشكال أخرى من الانسحاب والصمت والاحتماء الروحي، كما في قصة "طيفها"، التي تتحول فيها الحبيبة إلى طيف يفر من الجسد ليحل في جسد الحبيب.
كما تناول النقاش مقاومة المجموعة للنموذج التقليدي للمرأة بوصفها ملاكا للبيت، أي المرأة المطيعة الصامتة والمضحية التي تقبل دور الضحية من دون اعتراض. وتجلت هذه المقاومة في مواقف تمرد صريحة، من بينها شعور المرأة بالارتياح واستعادة توازنها بعد موت الزوج المستبد في قصة "ما بعد الصورة". كذلك ظهرت ملامح التمرد في شخصية الطفلة ريما في قصة "المقص"، التي تواجه التنمر بالفعل والمقاومة بدلا من الاستسلام لصورة الطفلة المطيعة. وفي قصة "ثمة صوت يلاحقني"، تتعدد صور رفض الأدوار المفروضة على المرأة، من خلع الزوج المعنف في حكاية "سراب" إلى رفض الإنجاب في سن الأربعين في حكاية "عبير".
وتوقف المتحاورون عند تمثيل الجسد الأنثوي بوصفه مساحة للتعبير عن الألم والاحتجاج، وليس مجرد عنصر في تشكيل الشخصية. ففي قصة "لا تدعه يحتضر" يحضر الفحص الطبي الصادم في الطفولة، بينما تعرض قصة "وثاق من مسد" تجارب الاعتداء الجسدي والعنف. كما تتكرر مشاهد الإغماء والسقوط والموت في قصص مثل "قد يكون وهما" و"رحيل مبكر" و"ضوء آخر النفق"، لتكشف عن بلوغ المعاناة النفسية درجات حادة تنعكس على الجسد، وتطرح أسئلة حول العلاقة بين التجربة الجسدية والذاكرة النفسية، وبين ما تعجز الشخصيات عن قوله وما تفصح عنه أجسادها.
وعلى المستوى الفني، ناقش المتحاورون حضور تيار الوعي في عدد من قصص المجموعة، حيث تتراجع الخطية الزمنية لصالح التدفق المتقطع للأفكار والذكريات والمشاعر والانطباعات. وبرز ذلك في قصص "منتصف أشياء كثيرة" و"نبض مهاجر" و"قد يكون وهما"، إذ ينقل السرد القارئ إلى العالم الداخلي للشخصيات، ويرصد اضطراب الوعي وتداخل الماضي بالحاضر، بدلا من الاكتفاء بتتابع الأحداث الخارجية. كما تناولوا تعدد الأصوات في قصة "ثمة صوت يلاحقني"، حيث تتجاور المواقف المختلفة من الزواج والعزوبية، ولا تختزل التجربة النسائية في موقف واحد؛ فبينما تعبر بعض الشخصيات عن خيبتها من الزواج، تبدي شخصية العزباء رغبتها فيه، بما يكشف عن تنوع التجارب والتصورات داخل المجتمع نفسه.
وفي محور آخر، انتقل المتحاورون إلى مناقشة الذائقة القرائية والأثر الفني والإنساني الذي تركته بعض قصص المجموعة، متوقفين عند ثلاث قصص هي "ما بعد الصورة" و"ضوء آخر النفق" و"ثمة صوت يلاحقني"، لما تنطوي عليه من بناء فني ومفارقات سردية ودلالات نفسية تستدعي التأمل.
وفي قراءة قصة "ما بعد الصورة"، برزت المفارقة بين العرس والموت، وبين الأبيض والأسود بوصفهما لونين تتبدل دلالاتهما تبعا لتجربة الشخصية. فبينما يرتبط العرس الأبيض للعروس والأسود للعريس ببداية الحياة الزوجية، تنقلب الدلالات مع الموت، ليصبح الأبيض كفن العريس والأسود لباس العروس. وتكمن إحدى أبرز تقنيات القصة في تكثيف سنوات من القهر الزوجي والاضطهاد العاطفي والعنف اللفظي من خلال تفصيل بصري بسيط، هو ميلان إطار الصورة نحو الشمال. كما ناقش المتحاورون المفارقة السوداوية في خاتمة القصة، حيث لا يظهر موت الزوج بوصفه مأساة فحسب، بل يتحول في وعي المرأة إلى لحظة تستعيد فيها توازنها النفسي وشعورها بالتحرر. وقد عزز الأسلوب الهادئ والاقتصاد في التعبير أثر النهاية، بعيدا عن الانفعال المباشر والمبالغة الميلودرامية.
أما قصة "ضوء آخر النفق"، فقد استوقفت المتحاورين من زاوية الخداع السردي، أو توجيه توقعات القارئ نحو احتمال معين قبل أن تكشف النهاية عن مسار مختلف. وتناول النقاش توظيف الغفوة والمغتسل في بناء هذا التحول، وما يتيحه من إعادة النظر في الأحداث السابقة بعد انكشاف دلالتها، بما يجعل النهاية عنصرا أساسيا في تشكيل أثر القصة.
وفي قصة "ثمة صوت يلاحقني"، ركز النقاش على البناء الميتاسردي وتعدد الأصوات، إذ تدخل الكاتبة في نسيج النص عبر تسجيل ما يقوله المحيطون بها، فتتداخل الكتابة مع مراقبة الواقع والتأمل فيه. وأتاح هذا الأسلوب عرض مواقف متباينة من الزواج والعزوبية، بعيدا عن التعميم أو اختزال النساء في تجربة واحدة. كما توقف المتحاورون عند الخاتمة التي تكشف فيها الكاتبة عن وحدتها وشعورها بالتشابه مع النساء اللواتي تروي تجاربهن، وتقدم الكتابة بوصفها وسيلة للنجاة ومواجهة الألم. وهكذا تتجاوز القصة حدود الحكاية الفردية لتطرح أسئلة عن الوحدة والكتابة والحاجة إلى التعبير عن التجربة الإنسانية.
واختتمت الجلسة بتوجيه الشكر إلى الحضور والمشاركين، وإلى مبادرة نون للكتاب على تنظيم الفعالية، وإلى مؤسسة عبد الحميد شومان ومكتبتها في جبل عمّان على استضافة اللقاء. كما جرى تكريم المشاركين، والتقاط صورة تذكارية جمعتهم بالحضور.













