banner
مقالات مختارة
banner

الصناعة الدوائية الأردنية،،، من صناعة الدواء إلى صناعة الملكية الفكرية

{clean_title}
جهينة نيوز -
الدكتورة الصيدلانية سارة غريز
متخصصة في الابتكار الدوائي والملكية الفكرية واقتصاد المعرفة
 تُقاس قوة الصناعة الدوائية في الدولة بعدد المصانع و بحجم ما تنتجه من عبوات دوائية، و بقيمة صادراتها السنوية، ولكن يبفى المقياس الأكثر تقدما هو كم من المعرفة التي تقف خلف الدواء تملكها الدولة؟ فالدواء الحديث هومنظومة مركبة من البحث والتطوير، والمعرفة العلمية، وبراءات الاختراع، والأسرار الصناعية، وطرق التصنيع، والدراسات التنظيمية، والبيانات، والعلامات التجارية، والتراخيص، والوصول إلى الأسواق. ومن يملك حصة أكبر من هذه المنظومة، يحتفظ بحصة أكبر من القيمة الاقتصادية والاستراتيجية التي يولدها الدواء. ومن هنا، ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يشغل السياسة الصناعية الأردنية في المرحلة المقبلة هو كيف نجعل الأردن يمتلك جزءا أكبر من المعرفة والحقوق والتكنولوجيا التي تصنع قيمة هذا الدواء؟ وهنا يقع الفارق بين صناعة الدواء وصناعة الملكية الفكرية الدوائية.
تملك الصناعة الدوائية الأردنية قاعدة حقيقية يمكن البناء عليها. فبحسب بيانات رسمية، بلغت صادرات المستحضرات الدوائية الأردنية نحو 642  مليون دينار خلال عام 2025، مقارنة بنحو 611 مليونا في العام السابق، فيما يضم قطاع صناعة الأدوية البشرية قرابة 30 منشأة، ويوفر نحو عشرة آلاف فرصة عمل مباشرة، وتصل المنتجات الأردنية إلى عشرات الأسواق الخارجية.  وهذه الأرقام مهمة، لكنها تكشف أيضا عن فرصة أكبر. فالقطاع الذي استطاع بناء هذه القدرة الإنتاجية والتنظيمية والتصديرية أصبح قطاعا يمكن مطالبته بالانتقال إلى مرحلة نوعية أعلى من القيمة. والمرحلة التالية لا ينبغي أن تقوم فقط على إنتاج كمية أكبر من الأدوية، وإنما على رفع القيمة المعرفية والتكنولوجية والقانونية داخل المنتج الأردني نفسه. بعبارة أخرى، يجب أن ننتقل تدريجيا إلى السؤال كم أصل فكري نملك داخل هذه العلبة؟
في الاقتصاد الصناعي التقليدي، تمثل الأرض والمصنع والآلة والمخزون الجزء الأكبر من قيمة المشروع. أما في الاقتصاد الحديث، فقد تكون الأصول الأعلى قيمة غير ملموسة أصلا فهي براءة اختراع، أو طريقة تصنيع، أو تركيبة مبتكرة، أو بيانات بحثية، أو سر صناعي، أو علامة تجارية، أو رخصة تكنولوجية، أو معرفة متراكمة يصعب على المنافس تقليدها. وهنا تحديدا ينبغي أن تتطور نظرتنا إلى الصناعة الدوائية الأردنية. فالمصنع الذي ينتج دواءً جيدا يمتلك قدرة صناعية. أما المصنع الذي يمتلك التقنية والمعرفة والبراءة والرخصة والقدرة على تطوير المنتج التالي، فيمتلك قدرة استراتيجية. وهذا الفرق ليس لغوياً. إنه الفرق بين اقتصاد يبيع منتجا واقتصاد يبيع معرفة وحقوق وتكنولوجيا إلى جانب المنتج.
 
من أكبر الأخطاء المؤسسية النظر إلى الملكية الفكرية باعتبارها شأنا قانونيا يبدأ بعد انتهاء البحث والتطوير. في الصناعة الدوائية الحديثة، يجب أن تبدأ الملكية الفكرية قبل قرار تطوير المنتج نفسه. فدراسة خريطة البراءات تستطيع أن تخبر الشركة الى أين يتجه المنافسون؟ متى تنتهي الحماية؟ ما المساحة التقنية التي لا تزال متاحة؟ ما مخاطر الدخول إلى السوق؟ ما التقنيات التي يمكن تطوير بدائل حولها؟ وأين يمكن بناء ميزة يصعب تقليدها؟ وهكذا تتحول المعلومات البرائية من أداة دفاع قانوني إلى منظومة استخبارات صناعية. والدولة التي تريد بناء قطاع دوائي متقدم تحتاج إلى إدماج هذا التفكير في صميم سياساتها الصناعية. لأن القرار الاستثماري الذكي في الدواء يبدأ أحياناً قبل سنوات من دخول المنتج إلى السوق، حين يقرأ المستثمر أو الشركة خريطة العلم والتقنية والبراءات بصورة صحيحة.
 يمتلك الأردن إطارا قانونيا واضحا لبراءات الاختراع. ويشترط قانون براءات الاختراع رقم 32 لسنة 1999 وتعديلاته أن يكون الاختراع جديدا، وأن ينطوي على خطوة ابتكارية، وأن يكون قابلاً للتطبيق الصناعي، وهي الشروط الجوهرية المعروفة دوليا للحماية البرائية. كما يشمل القانون حماية الاختراعات ذات العلاقة بالمنتجات والعمليات الصيدلانية ضمن أحكامه.  لكن أهمية القانون بالنسبة للدولة لا تكمن فقط في منح الاحتكار القانوني لصاحب الاختراع. القانون الأردني نفسه يكشف فلسفة أعمق وهي التوازن بين حماية المبتكر وبين المصلحة العامة. فمالك البراءة يملك حق منع الغير من استغلال الاختراع دون موافقته، كما يستطيع التنازل عنها أو الترخيص باستغلالها. وفي الوقت نفسه، تضمن المادة 22 إمكان منح ترخيص باستغلال الاختراع دون موافقة مالكه في حالات محددة، من بينها ضرورات الأمن القومي والحالات الطارئة والمنفعة العامة غير التجارية وبعض حالات عدم الاستغلال أو منع المنافسة المشروعة.
هذه ليست مسألة قانونية فرعية. إنها تعبير عن مفهوم مهم في فلسفة الدولة فالملكية الفكرية حق اقتصادي يجب حمايته، لكنها تعمل داخل منظومة المصلحة الوطنية وليست خارجها. وهذا التوازن تحديدا هو ما تحتاجه السياسة الدوائية الحديثة حيث حماية تشجع الابتكار والاستثمار، من دون أن تتحول الحماية إلى عائق أمام الأمن الصحي أو المنافسة المشروعة أو قدرة الدولة على التعامل مع الظروف الاستثنائية.
المشكلة ليست في عدد براءات الاختراع فقط. الدولة قد تسجل مئات البراءات ولا تحقق منها قيمة اقتصادية حقيقية. البراءة التي لا تُستخدم أو تُرخص أو تُسوق أو تجذب تمويلا هي في النهاية حق قانوني غير مستثمر. ولذلك ينبغي أن تتغير فلسفة التعامل مع البراءة من التسجيل إلى التقييم ثم الحماية ثم الاستثمار ثم الترخيص أو التصنيع ثم التصدير. وهنا يصبح السؤال أمام الدولة والقطاع الخاص معا هل لدينا القدرة على تقييم الأصل الفكري ماليا؟ هل تستطيع البنوك والمستثمرون فهم قيمة محفظة براءات؟ هل تستطيع الجامعة التفاوض على ترخيص اختراع؟ هل يعرف الباحث كيف يحول اكتشافه إلى شركة؟ وهل تملك الشركة الأردنية استراتيجية واضحة لإدارة حقوقها الفكرية في الأسواق المختلفة؟ إن لم نجب عن هذه الأسئلة، سنبقى نملك الاختراعات قانونيا من دون أن نملك اقتصاد الاختراع.
 هنا توجد نقطة سياسية واقتصادية شديدة الأهمية. الدولة تنفق على الجامعات والتعليم والبحث العلمي، والشركات تنفق على التطوير، لكن العائد الوطني من هذا الإنفاق يجب ان يقاس.  العائد الحقيقي يظهر عندما يتحول البحث إلى تقنية، أو منتج، أو براءة ذات قيمة، أو شركة ناشئة، أو رخصة دولية، أو عملية صناعية أكثر كفاءة، أو صادرات جديدة. وهنا ينبغي أن تتغير نظرتنا إلى البحث والتطوير. فهو ليس مصروفا يجب تقليله كلما ضغطت الكلفة على الشركة. إنه في القطاعات المعرفية عملية تكوين لرأس مال غير ملموس. وقد تصبح قيمة ذلك الأصل غير الملموس أكبر من قيمة المبنى والآلة التي تنتجه.
يمتلك الأردن جامعات وكليات صيدلة وباحثين وشركات أدوية ومؤسسات تمويل. لكن امتلاك عناصر المنظومة لا يعني أن المنظومة تعمل. المشكلة الحقيقية تكون أحيانا في الفراغ بين هذه المؤسسات. الباحث ينشر بحثه. الجامعة تحتفظ به. والشركة تستورد حلا تقنياً من الخارج لمشكلة ربما كان جزء من حلها موجودا على بعد بضعة كيلومترات داخل مختبر جامعي أردني. لهذا لا نحتاج فقط إلى مزيد من الأبحاث، ولكن إلى بنية وطنية لنقل التكنولوجيا. يجب أن يعرف الباحث منذ البداية كيف تُحمى نتيجة بحثه. وأن تعرف الجامعة كيف تقيّم الاختراع. وأن توجد جهة قادرة على تمويل إثبات الفكرة وتحويلها إلى نموذج قابل للاختبار. وأن تدخل الصناعة قبل أن يموت الابتكار بين النشر الأكاديمي والملف الإداري. وهنا يصبح التسلسل المطلوب هو بحث علمي حماية فكرية إثبات تقني تقييم تجاري تمويل نقل تكنولوجيا صناعة سوق. غياب أي حلقة من هذه الحلقات يؤدي إلى تسرب القيمة.
 هناك أيضاً ضرورة للواقعية الاستراتيجية. ليس مطلوبا من الأردن أن يخترع كل جزيء دوائي، ولا أن يدخل سباقا ماليا مع شركات عالمية تنفق مليارات الدولارات على تطوير دواء واحد. الاستراتيجية الذكية للدول متوسطة الحجم تقوم على اختيار مواضع القوة. قد تكون القيمة في تطوير دواء جنيس معقد. أو نظام توصيل دوائي. أو منتج حيوي مماثل. أو تقنية تصنيع. أو تطوير مشترك مع شركة أجنبية. أو شراء رخصة لتكنولوجيا ثم تطويرها وتصنيعها محليا أو الاستحواذ على أصل فكري صغير لكنه واعد. فالسيادة التكنولوجية لا تعني أن تبدأ الدولة من الصفر في كل شيء. انما أن تمتلك القدرة على معرفة ما يجب تطويره، وما يجب شراؤه، وما يجب ترخيصه، وما يجب توطينه، وما يجب حمايته. وهذه قدرة دولة، وليست قدرة مصنع واحد.
هناك سبب آخر يجعل هذا الملف أكبر من كونه ملف اقتصادي. وهو الأمن الدوائي. لقد أثبتت الأزمات العالمية أن وجود المال لا يعني بالضرورة القدرة على شراء الدواء في كل لحظة، وأن اضطراب سلاسل التوريد قد يحول منتج بسيط إلى مورد استراتيجي. لكن الأمن الدوائي لا يساوي التخزين. المخزون يعالج أزمة مؤقتة. أما الأمن الحقيقي فيتعلق بأسئلة أعمق وهي ماذا نستطيع أن نصنع؟ وماذا نعرف كيف نصنع؟ وما المواد الخام التي نعتمد فيها كليا على الخارج؟ وما التقنيات الحيوية التي يجب ألا تبقى معرفتها خارج المملكة بالكامل؟ وما التراخيص والحقوق التي يجب أن نؤمّنها مسبقا؟ وأي خطوط إنتاج يجب المحافظة عليها حتى إن لم تكن الأكثر ربحية تجاريا؟ هنا تصبح الصناعة الدوائية جزء من منظومة المرونة الوطنية. كما يصبح امتلاك المعرفة، في بعض الحالات، أهم من امتلاك المخزون. فالدواء ينتهي. أما المعرفة فتسمح بإعادة إنتاجه.
 السياسة الصناعية الحديثة ليست جدارا يحمي الشركات الوطنية من المنافسة. إذا استخدمت بهذا الشكل فإنها قد تنتج شركات محمية محليا لكنها ضعيفة دوليا. المطلوب العكس تماما حيث تستخدام الدولة أدواتها لمساعدة الشركات على الدخول إلى المنافسة العالمية. ويعني ذلك منظومة تسجيل عالية الكفاءة، وبيئة تشريعية مستقرة، وحماية فكرية موثوقة، وإجراءات سريعة، وقدرة على الاعتراف والتناغم التنظيمي مع الأسواق المستهدفة، ودبلوماسية اقتصادية تفتح الأسواق. فالوقت نفسه أصبح عاملا تنافسيا. تأخير تسجيل دواء أو ترخيص منشأة أو اعتماد دراسة يعني فقدان نافذة سوقية كاملة. ولهذا فإن كفاءة المؤسسة التنظيمية جزء من البنية التحتية الاقتصادية للدولة.
هناك بعد سياسي غالبا ما يُغفل حيث الدواء ليس مجرد سلعة تصديرية. الدولة التي تستطيع توفير دواء موثوق لدول أخرى تبني معها علاقة من نوع مختلف. فالدواء مرتبط بالصحة والأمن الاجتماعي واستمرارية المستشفيات. ولهذا يمكن للصناعة الدوائية الأردنية أن تكون أداة في الدبلوماسية الاقتصادية الأردنية، وخصوصا في المنطقة العربية وأفريقيا وآسيا الوسطى وبعض الأسواق الناشئة. ليس بمعنى تسييس الدواء، ولكن بمعنى استخدام الجودة الصناعية الأردنية لبناء حضور اقتصادي طويل الأمد. فكل تسجيل دوائي ناجح في سوق جديدة يفتح بنية علاقات تنظيمية وتجارية يمكن البناء عليها لسنوات.
 هناك سؤال مركزي ينبغي أن يطرح على مستوى السياسة العامة وهو هل نتعامل مع الصناعة الدوائية باعتبارها قطاعا صناعيا ناجحا فقط، أم باعتبارها منصة يمكن أن نبني حولها جزءا من الاقتصاد الأردني المعرفي؟ إذا اعتبرناها قطاعاً صناعيا، فستكون الأولويات هي الإنتاج والتصدير والطاقة والعمالة والتمويل. أما إذا اعتبرناها منصة معرفية، فستنضم إلى تلك الأولويات ملفات أخرى كالبحث العلمي، البراءات، نقل التكنولوجيا، الجامعات، الذكاء الاصطناعي الدوائي، البيانات، التجارب السريرية، التقنيات الحيوية، رأس المال الجريء، والدبلوماسية الاقتصادية. عندها يصبح الملف ملفا تتقاطع فيه الصناعة والصحة والتعليم العالي والاستثمار والاقتصاد الرقمي والملكية الفكرية والسياسة الخارجية. وهنا بالضبط تحتاج الدولة إلى حوكمة مشتركة للقطاع لا إلى عمل مؤسسي متواز. 
 
يمكن اختصار الانتقال المطلوب في سبعة تحولات مترابطة وهي
1. الانتقال من دعم الإنتاج إلى دعم امتلاك التكنولوجيا، بحيث تكافأ الشركات التي تبني أصولا فكرية وتكنولوجية قابلة للتصدير.
2. إنشاء قدرة وطنية متقدمة في الاستخبارات البرائية الدوائية وربطها بتحديد المنتجات والأسواق وفرص الاستثمار المستقبلية.
3. تطوير مكاتب نقل التكنولوجيا في الجامعات من وحدات إدارية إلى مؤسسات قادرة على التقييم والتفاوض والترخيص وتأسيس الشركات المنبثقة.
4. بناء منظومة وطنية لتقييم الأصول غير الملموسة بحيث تصبح البراءات والمعرفة والرخص مفهومة للمستثمرين والبنوك وصناديق رأس المال.
5. توجيه جزء من التمويل والحوافز إلى البحث والتطوير وإثبات الفكرة بدلا من الاقتصار على تمويل المباني والمعدات.
6. بناء استراتيجية محددة للأمن الدوائي تحدد التقنيات والمواد والمنتجات ذات الأهمية الاستراتيجية، وما ينبغي توطينه أو ضمان الوصول إليه.
7. إنشاء إطار تنسيقي دائم يجمع الصناعة والجهات التنظيمية والجامعات والاستثمار والملكية الفكرية، بحيث تصبح السياسة الدوائية سياسة دولة متكاملة لا مجموعة ملفات قطاعية منفصلة.
كيف يجب أن نقيس النجاح بعد عشر سنوات؟ المؤشرات التقليدية ستبقى مهمة ك قيمة الصادرات، عدد المصانع، عدد العاملين، وحجم الإنتاج. لكن دولة تريد اقتصادا معرفيا تحتاج إلى إضافة مؤشرات جديدة  ككم براءة أردنية وصلت إلى السوق؟ كم رخصة تكنولوجية صدرتها الشركات الأردنية إلى الخارج؟ كم شركة دوائية عالمية وضعت نشاطا بحثيا أو تطويريا في المملكة؟ كم بحثا جامعيا تحول إلى منتج؟ كم مشروعا أردنيا جذب استثمارا استنادا إلى ملكيته الفكرية؟ وكم أصبحت قيمة الأصول غير الملموسة في شركاتنا؟ هذه المؤشرات هي التي ستخبرنا هل انتقلنا فعلا من التصنيع إلى امتلاك المعرفة.
لدى الأردن فرصة حقيقية لأن لدينا عناصر يصعب تصنيعها سريعا وهي رأس مال بشري جيد، قطاع دوائي ذو تاريخ، شركات تعرف الأسواق الخارجية، جهاز تنظيمي متراكم الخبرة، وقاعدة تعليمية يمكن تطوير علاقتها بالصناعة. ورؤية التحديث الاقتصادي نفسها تضع رفع التنافسية وتحسين موقع الاقتصاد الأردني ضمن أهدافها الاستراتيجية العامة، وهو ما يجعل الانتقال إلى الصناعات الأعلى قيمة منسجما مع الاتجاه الاقتصادي الوطني الأوسع. لكن امتلاك العناصر لا يضمن النتيجة. الفرق تصنعه هندسة العلاقة بين هذه العناصر. فالدول لا تبني اقتصاد المعرفة بكثرة الحديث عن المعرفة، وإنما عندما يصبح الباحث جزءا من الاقتصاد، والجامعة جزءا من الصناعة، والبراءة جزءا من التمويل، والمصنع جزءا من منظومة الابتكار، والقانون جزءا من السياسة الاقتصادية. عندها فقط تتغير الجملة التي نكتبها على المنتج الأردني. من صنع في الأردن إلى شيء أكثر قيمة وهو ابتُكر وطُوّر وحُمي وصُنّع في الأردن. وهذه ليست مسألة لغوية. إنها انتقال في موقع الأردن داخل سلسلة القيمة العالمية. فالدولة التي تصنع منتجا جيدا تحقق دخلا.
أما الدولة التي تمتلك المعرفة التي تسمح بصناعة المنتج، فإنها تمتلك قدرة تفاوضية واقتصادية واستراتيجية تمتد أبعد كثيرا من قيمة السلعة نفسها. لهذا فإن مستقبل الصناعة الدوائية الأردنية لا ينبغي أن يكون فقط في زيادة عدد المصانع أو خطوط الإنتاج. المرحلة الأهم هي أن ننتقل من اقتصاد إنتاج الدواء إلى اقتصاد امتلاك جزء متزايد من فكرته وتقنيته وحقوقه وقيمته. وعندما تصبح الفكرة الأردنية أصلا قابلاً للحماية والاستثمار والتمويل والتصدير، عندها لا تكون الصناعة الدوائية مجرد قصة نجاح قطاعية. ولكن تصبح واحدة من الأدوات التي يبني بها الأردن أمنه الصحي، واقتصاده المعرفي، وقدرته التكنولوجية، وموقعه التنافسي في المستقبل.
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير