banner
مقالات مختارة
banner

حبيبي

{clean_title}
جهينة نيوز -
سعيد الصالحي

في أمسية جميلة جمعتني ببعض الأصدقاء، كنا نتجاذب أطراف الحديث حول الحيوانات الأليفة، وراح كل واحد منا يتحدث عن الحيوان الذي يفضّل أن يقتنيه. وعندما جاء دوري، قلت لهم: حمار.

ضجّ الرفاق بالضحك، حتى إن أحدهم لم تتوقف عيناه عن الدمع من شدّة الضحك، فيما شعر آخر باشمئزاز غريب، وراح يزمّ شفتيه ويسحبهما نحو اليمين، ليخبر الأصدقاء، دون أن ينطق بكلمة، بأنني والحمار لا ننتمي إلى مجتمعه المخملي وعالمه الراقي وحيواناته المستوردة.

أما أنا، فلم أشعر بأن الحمار قد انتقص من آدميتي، أو أن عليّ، لمجرد أنني ذكرت اسمه، أن أتطهّر أو أتيمم. ولم أشارك الرفاق ضحكهم، لأنني أحترم الحمير وأحبها على اختلاف ألوانها وأنواعها.

وبعد أن هدأ الصخب، جاء صوت عبد البديع من إحدى الزوايا قائلًا: «لقد اختار الجميع حيوانات أليفة لطيفة، إلا أنت يا صاحب الحمار! اخترت مخلوقًا مزعج الصوت وبشع الملامح. أنت دائمًا غريب الرأي والاختيار، وتتبنّى مواقف مزعجة كنهيق حمارك».

عاد الرفاق إلى الضحك مجددًا، وتمادى أحدهم، فراح ينهق ويعرض عليّ خدماته بدلًا من الحمار. كنت أنظر إلى وجوههم، ولا أجد في كلمة «حمار» التي نطقت بها ما يستدعي كل هذا الضحك، ولا أفهم كيف تحوّل حديث عابر عن الحيوانات الأليفة إلى مناسبة للسخرية. ومع ذلك، لم أشعر بالحرج، ولم أجد ما يدعوني إلى مجاراتهم أو الغضب منهم.

وعندما صمت الجميع وجفّت دموع الضاحكين، تنحنحت بصوت عالٍ وقلت: «حمار».

وكلما قلت الكلمة، عادوا إلى الضحك. بدأت ألاحظ أن الأمر لم يعد يتطلب مني أكثر من نطق الكلمة، حتى إنني شعرت بأن بعضهم صار ينتظرها كي يضحك، وكأن الضحك نفسه أصبح غاية لا تحتاج إلى سبب. لم أكن أعرف ما الذي تغيّر في الكلمة خلال دقائق، ولا كيف انتقلت من كونها اسم حيوان إلى شيء يكفي ترديده لاستدعاء كل تلك القهقهات. كان مشهدًا محزنًا وعبثيًا رغم الضحك، ثم توادعنا وعاد كل واحد منا إلى بيته.

في الصباح، وجدت عشرات الرسائل الإلكترونية من أصدقاء الليلة الماضية، كلها تتضمن كلمة «حمار» أو صورة هزلية له. وكنت أردّ على كل واحد منهم بتسجيل صوتي من كلمة واحدة تبدأ بحرف الحاء.

لا، لم أقل له: حمار.

كنت أقول له: حبيبي.
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير