الملكة والسعودية وهندسة النفوذ
د. حازم قشوع
حين تتوجه الملكة رانيا العبدالله بالدعاء للمملكة العربية السعودية وأهلها، فإن الموقف يتجاوز التعبير عن التضامن الأخوي إلى دلالات سياسية ترتبط بطبيعة التحولات التي تشهدها المنطقة، في ظل انتقال الصراع من المواجهة العسكرية المباشرة إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ، والتحكم بالممرات البحرية، وتحديد مواقع التأثير في معادلة الأمن الإقليمي.
فما تتعرض له السعودية من هجمات تستهدف المدنيين والمطارات والمنشآت الحيوية، وما يرافق ذلك من تهديدات تطال محطات توليد الطاقة ومرافق النقل والإمداد، لا يمكن قراءته بمعزل عن المشهد الإقليمي الأوسع، حيث تتداخل المواجهة مع إيران مع الحسابات الدولية المتعلقة بأمن الخليج والبحر الأحمر. فاستهداف البنية التحتية المدنية لا يقتصر أثره على الدولة المستهدفة، بل يمتد إلى حركة التجارة والطاقة والطيران، ويضع استقرار المنطقة أمام احتمالات مفتوحة.
وفي هذا المشهد، يبرز باب المندب بوصفه نقطة ارتكاز في معادلة النفوذ الدولي. فمع تصاعد المخاطر على الملاحة في البحر الأحمر، يتزايد الحضور الأوروبي، ولا سيما البريطاني والإيطالي، تحت عنوان حماية الممرات البحرية وضمان استمرار حركة التجارة. غير أن أهمية هذه التحركات لا تقف عند الجانب الأمني، إذ إن المشاركة في ترتيبات حماية الملاحة تمنح الدول المشاركة موقعاً في صياغة الترتيبات الإقليمية اللاحقة، وتتيح لها حماية مصالحها التجارية والطاقية وتعزيز حضورها الاستراتيجي.
وهنا تتقدم القراءة السياسية على المشهد العسكري؛ فالدخول الأوروبي إلى معادلة باب المندب يعكس سعياً إلى ضمان المصالح الأوروبية في ممر حيوي يصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، في وقت تتجه فيه الولايات المتحدة إلى تثبيت حضورها وتأثيرها في الخليج ومضيق هرمز. وإذا تبلورت ترتيبات دولية تتوزع فيها أدوار الحماية والتأثير بين باب المندب وهرمز، فإن المنطقة قد تكون أمام إعادة توزيع لمناطق النفوذ، بحيث تتقاطع الأدوار الأوروبية والأمريكية من دون أن تتطابق بالضرورة أهدافها وحساباتها.
ومن هذه الزاوية، يصبح تعثر الهدن المطروحة مفهوماً في إطار تضارب المصالح وتعدد ساحات الضغط. فالهدنة التي تتناول وقف العمليات العسكرية من دون معالجة أمن الممرات البحرية، وضمان سلامة المنشآت المدنية، وتحديد قواعد واضحة لمنع تجدد الهجمات، قد لا تكون كافية لتثبيت الاستقرار. كما أن اتساع المشاركة الدولية في حماية الممرات يضيف إلى المفاوضات حسابات تتجاوز أطراف المواجهة المباشرة، لتشمل مستقبل النفوذ البحري وأمن الطاقة والتجارة العالمية.
لكن من الضروري التمييز بين حماية الملاحة باعتبارها مصلحة دولية مشروعة، وبين تحويل هذه الحماية إلى وسيلة لترسيخ مناطق نفوذ دائمة. فالممرات البحرية ليست ملكاً لقوة دولية بعينها، وأمنها لا ينبغي أن يصبح مدخلاً لإدارة المنطقة وفق خرائط المصالح الخارجية. كما أن أي قراءة لرفض الهدنة أو تعثرها يجب أن تستند إلى المواقف المعلنة وشروط التفاوض، لا إلى افتراض أن دخول طرف دولي جديد هو السبب الوحيد وراء ذلك.
وفي قلب هذه المعادلة، تبرز السعودية بوصفها دولة محورية في أمن الخليج والاقتصاد العربي، الأمر الذي يجعل حمايتها من الاعتداءات مسؤولية سياسية وأمنية تتجاوز حدود التضامن اللفظي. فاستهداف المطارات والمنشآت الحيوية يهدد سلامة المدنيين ويضغط على الاستقرار الاقتصادي، ولا يجوز أن يتحول إلى أداة لتعديل موازين التفاوض أو فرض الوقائع بالقوة.
أما الأردن، فيدرك بحكم موقعه أن أمن الخليج امتداد لأمن المشرق، وأن استقرار السعودية ركيزة أساسية في منظومة الأمن العربي. ومن هنا تأتي أهمية الموقف الذي عبّرت عنه الملكة رانيا العبدالله؛ فهو يجسد عمق العلاقة الأردنية السعودية، ويؤكد أن الأخوة بين البلدين ليست مجرد روابط تاريخية واجتماعية، بل إدراك مشترك لوحدة المصير والمصالح في منطقة تتعرض لتحولات متسارعة.
إن المطلوب عربياً هو الانتقال من التضامن في مواجهة الاعتداءات إلى بناء موقف قادر على حماية المصالح المشتركة، عبر تنسيق الجهود الدبلوماسية والأمنية، وصون المنشآت المدنية، وتعزيز أمن الملاحة، ومنع استخدام الممرات البحرية أدواتٍ لتوسيع الصراع. فالمعادلة لا ينبغي أن تكون بين نفوذ أوروبي ونفوذ أمريكي فحسب، بل بين نظام إقليمي تتقرر قواعده بالتفاهم واحترام السيادة، وواقع تبقى فيه المنطقة ساحة مفتوحة لتنافس القوى الخارجية. وهنا تتجلى أهمية دعوة الملك عبدالله الثاني إلى تشكيل قوة عربية مشتركة، بوصفها مدخلاً لتعزيز القدرة العربية على حماية الأرض وصون الممرات الحيوية والمنشآت الاستراتيجية، بما يرسخ الأمن الجماعي ويحد من ارتهان استقرار المنطقة لتوازنات القوى الخارجية.
وهكذا، فإن الدعاء للسعودية وأهلها يحمل معنى سياسياً وإنسانياً في آن واحد؛ فحماية الإنسان تسبق حسابات النفوذ، واستقرار الدول لا يتحقق بتوسيع ساحات المواجهة، وإنما بإرساء قواعد تمنع الاعتداء وتحفظ السيادة وتفتح الطريق أمام تسويات مستدامة.، فإن دعاء الملكة رانيا لا يُقرأ بوصفه عبارة إنسانية منفصلة عن الواقع السياسي، بل رسالة أخوية تختزل موقفاً أردنياً يرى في أمن السعودية جزءاً من أمن العرب، وفي التضامن معها مسؤولية تتصل بحماية الاستقرار وصيانة المصير المشترك.
حفظ الله أرض الرسالة، وحمى أهلها وإرثها وموروثها من كل سوء، وأدام على الأردن والسعودية وسائر بلاد العرب نعمة الأمن والاستقرار.









