عن مار شربيل … قدّيس لبنان الذي لا يغيب نوره، ورسالة قداسة تتوارثها الأجيال
محمد نديم الملاح
ليست القداسة مجرّد حكاية تُروى، ولا الإيمان مجرّد كلماتٍ تتردّد على الشفاه؛ إنهما نورٌ يسكن الوجدان، ورسالةٌ تتخطّى حدود الزمن، وتبقى حيّةً في ضمير الأرض والإنسان. ومن لبنان، أرض القداسة والصلاة، يسطع نور القديس مار شربل، ناسك عنايا الذي تحوّل حضوره الروحي إلى رسالة رجاءٍ عابرة للطوائف والحدود، ومصدر إلهامٍ للقلوب التوّاقة إلى السلام والطمأنينة.
وفي منزل عائلة فخامة الرئيس العماد ميشال سليمان، تتجدّد معاني هذا الإيمان، وتلتقي الصلاة بصفاء الذاكرة، في مشهدٍ تختصره المحبة، وتظلّله البركة، وتنبض في أعماقه قيم التواضع والوفاء والأصالة. هناك، لا يكون الحديث عن مار شربل استعادةً لسيرة قدّيس فحسب، بل استحضارًا لرسالةٍ روحية وإنسانية تتجدّد مع كل جيل، وتؤكّد أن الإيمان الصادق لا يشيخ، وأن النور الحقيقي لا تطفئه عتمة الأيام.
الرئيس العماد ميشال سليمان… جذورٌ في التاريخ، وحضورٌ في الذاكرة
من عنايا، حيث يسكن الصمت المهيب في رحاب القداسة، وتتعانق الصلاة مع رجاء المؤمنين، إلى عمشيت، البلدة المتجذّرة في أصالة التاريخ ودفء الذاكرة، تمتدّ حكايةٌ لبنانية تتجاوز الجغرافيا لتلامس أعماق الوجدان.
إنها حكاية الأرض التي تحفظ أسرارها في حجارة بيوتها، وتختزن تاريخها في وجوه أهلها، وتصون هويتها بما تتناقله الأجيال من قيمٍ وعاداتٍ وإيمان. وفي هذا الامتداد بين عنايا وعمشيت، تتلاقى رمزية القداسة مع عمق الانتماء، وتتشابك خيوط الروح والتاريخ والإنسان في نسيجٍ لبنانيّ أصيل.
أما الرئيس العماد ميشال سليمان، أطال الله في عمره فيحضر اسمه في سياق هذه الذاكرة بما يرتبط به من انتماءٍ إلى هذه الأرض، وإلى بيئةٍ تحفظ للجذور مكانتها، وللإرث العائلي والإنساني قيمته، وللتاريخ حضوره في تشكيل الهوية والوجدان.
فالتاريخ ليس تواريخَ تُسجَّل في الكتب فحسب، بل ذاكرةٌ حيّة تنتقل من جيلٍ إلى جيل، وإحساسٌ بالانتماء يتجدّد كلّما استعاد الإنسان جذوره، واستحضر القيم التي نشأ عليها. والإنسان، مهما ارتقى في المسؤوليات والمواقع، يبقى ابن أرضه، وحاملًا في ذاكرته ملامح بيئته الأولى، وما غرسه فيها الأهل والأجداد من معاني الوفاء والأصالة.
مار شربل… حين يصبح الإيمان ذاكرة وطن
ليس مار شربل مجرّد اسمٍ في سجلّ القديسين، بل علامةٌ مضيئة في الوجدان اللبناني، ورمزٌ للبساطة التي تسمو بالإنسان، وللصلاة التي تمنح الروح سكينتها، وللتواضع الذي يفتح أبواب المحبة.
من عنايا، انطلقت رسالةٌ لم تحبسها جدران الدير، ولم تحدّها حدود الوطن، بل حملتها قلوب المؤمنين إلى أصقاع العالم. وبقي القديس شربل، بما يمثّله من حياةٍ نسكية وإيمانٍ عميق، شاهدًا على أن العظمة الحقيقية لا تُقاس ببريق المظاهر، بل بصفاء الروح، وصدق الإيمان، والأثر الطيّب الذي يتركه الإنسان في حياة الآخرين.
ومن هنا، تكتسب زيارة الذاكرة الروحية واستحضار سيرة القديس معناهما الأعمق؛ فهما ليسا مجرّد التفاتة إلى الماضي، بل عودةٌ إلى القيم التي يحتاج إليها الحاضر، واستلهامٌ لمعانٍ تجمع الناس على المحبة والتسامح والسلام، في وطنٍ لطالما كان التنوع فيه جزءًا من هويته، والإيمان أحد منابع قوّته الروحية.
إرثٌ لا تطويه السنوات
بين عنايا وعمشيت، وبين سيرة القداسة وذاكرة الإنسان، تبقى الحكاية أكبر من المكان، وأعمق من الزمن. إنها حكاية جذورٍ لا تجفّ، وذاكرةٍ لا تنطفئ، وإيمانٍ يجدّد في القلوب القدرة على الرجاء، مهما اشتدّت التحديات وتبدّلت الأزمنة.
وكما تبقى الشموع مضيئةً في عتمة الليل، تبقى القيم الأصيلة مناراتٍ تهدي الأجيال، وتذكّرها بأن ما يُورَّث حقًا ليس المال أو الاسم وحدهما، بل الأخلاق، والإيمان، والمحبة، والوفاء للأرض والإنسان.
مار شربل… قديسٌ اختار الصمت فصار صوته صلاة، وعاش التواضع فغدا رمزًا للسموّ، وابتعد عن أضواء الدنيا فظلّ نوره حاضرًا في ضميرها.
والرئيس العماد ميشال سليمان… اسمٌ يرتبط بذاكرة الأرض وجذورها، في حكايةٍ تتلاقى فيها الأصالة مع التاريخ، والإنسان مع انتمائه، لتبقى الرسالة الأسمى أن الإيمان نور، وأن الجذور هوية، وأن الإرث الحقيقي هو ما يتركه الإنسان من أثرٍ طيّب في القلوب.
فالأزمنة تتبدّل، والوجوه تتعاقب، لكن نور القداسة يبقى، والإيمان الصادق يستمرّ، والذاكرة التي تحفظ قيمها لا تشيخ أبدًا.










