2026-10-06 - الثلاثاء
banner
كتّاب جهينة
banner

العقبة أمام اختبار باب المندب.. هل تتحول الأزمة البحرية إلى فرصة تاريخية للأردن؟

جهينة نيوز -
بقلم المستشار الصحفي عمر الصمادي

في حسابات الاقتصاد الأردني والعالمي لم يعد باب المندب ممر بحري اعتيادي ، بل أصبح واحدا من أهم العوامل التي يمكن أن ترسم شكل حركة التجارة وسلاسل الإمداد خلال المرحلة المقبلة.

ومع عودة التصعيد العسكري في اليمن، وتطور العمليات قرب باب المندب، تتزايد المخاوف من أن يتحول هذا الممر الاستراتيجي إلى نقطة اختناق أمام التجارة العالمية، خصوصا أن القوات الحكومية اليمنية المدعومة سعوديا تخوض حاليا عمليات عسكرية لاستعادة مناطق استراتيجية قرب المضيق.

فماذا لو أغلق باب المندب؟ وهذا متوقع بقوة .... وماذا اعدت للعقبة إذا حدث ذلك؟ وهي المنفذ البحري الوحيد للأردن، ونحو 28% من التجارة الخارجية الأردنية مرتبطة بمسار باب المندب، بقيمة واردات تقدر بنحو 6.6 مليارات دولار سنويا، إلى جانب صادرات تتجاوز ملياري دولار، وفقا لبيانات قطاع التخليص.

والأثر المتوقع والمباشر، ليس بالضرورة توقف الميناء لا قدر الله، وإنما في ارتفاع كلف الشحن والتأمين وزمن وصول البضائع، إذ ترتفع تكلفة شحن بعض الحاويات القادمة من الصين وشرق آسيا من نحو ألف دولار إلى أربعة آلاف دولار خلال فترات الاضطراب.

المفارقة اللافتة أن اضطرابات البحر الأحمر لم تؤد حتى الآن إلى تراجع نشاط ميناء العقبة، بل إن المؤشرات التشغيلية تظهر قدرة متزايدة على استيعاب التجارة.
فميناء الحاويات رفع طاقته التشغيلية اليومية من نحو 900 إلى 1200 حاوية، وانخفض متوسط بقاء حاويات الترانزيت من 15 يوما تقريبا إلى نحو 12 يوما، فيما يبلغ متوسط بقاء الحاويات المخصصة للسوق المحلية نحو 8 أيام.

وفي النصف الأول من العام، ناول ميناء الحاويات 472,680 حاوية نمطية، فيما قفزت حاويات الترانزيت إلى 60,178 حاوية، بزيادة بلغت 155.1% عن الفترة نفسها من العام الماضي.

فحين تبحث شركات النقل والتجارة عن مسارات بديلة وأكثر أمنا، تستطيع العقبة أن تتحول من ميناء وطني إلى مركز إقليمي لإعادة تشكيل طرق التجارة، لكن الفرصة لا تتحقق بمجرد وجود ميناء قادر على استقبال السفن.

ولان الاختبار الحقيقي يقبع خلف بوابة الميناء، حيث كشفت التطورات الأخيرة أن التحدي الحقيقي يكمن الرصيف والرافعات، وفي كل السلسلة اللوجستية الممتدة من السفينة إلى المستورد والأسواق المجاورة.

ولهذا بدأت سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة وذراعها التطويري شركة تطوير العقبة وبدعم من الحكومة بإجراءات واسعة لمعالجة الاختناقات، شملت زيادة مساحات التخزين، وتحسين حركة الشاحنات، ورفع الطاقة الاستيعابية للبوابات، وتسريع إخراج الحاويات، مما رع الطاقة اليومية لخروج الحاويات إلى 1200 حاوية، فيما جرى تخصيص مساحات جديدة للحاويات الفارغة والسيارات.

وهذا مهم جدا، لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن ننجح في جذب التجارة إلى العقبة ثم نعجز عن إخراجها منها بالسرعة المطلوبة.

الأمر الذي يجب أن تدركه المنطقة أن أزمة باب المندب تختلف عن أزمة مضيق هرمز بالنسبة للأردن، فاضطراب هرمز يمكن أن يعيد توزيع بعض مسارات التجارة والطاقة في الخليج، وقد تستفيد العقبة من جزء من التحولات.

أما باب المندب فهو الطريق البحري الذي تصل من خلاله السفن القادمة من آسيا والهند والمحيط الهندي إلى البحر الأحمر والعقبة وأوروبا وامريكا، ولهذا فإن إغلاقه بصورة فعلية سيكون أكثر مباشرة على حركة السفن المتجهة إلى العقبة.

لكن في المقابل، إذا استمرت الاضطرابات دون إغلاق كامل، فقد تجد العقبة نفسها أمام فرصة تاريخية لاستقطاب مزيد من الترانزيت وإعادة التصدير والخدمات اللوجستية والتخزين والتوزيع الامر الذي يرتب علينا إعادة التموضع على صعيد البنية التحتية والسرعة والمرونة لكي نستفيد الفرصة.

ومن هنا تبرز أهمية مشاريع الربط السككي التي تعزز قدرة العقبة على استقبال كميات أكبر من البضائع ونقلها بكفاءة إلى الداخل الأردني والأسواق الإقليمية.
ومشروع سكة حديد العقبة–الشيدية–معان، الذي وضع جلالة الملك عبدالله الثاني حجر أساسه أمس في العقبة بحضور سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، لا ينبغي النظر إليه فقط باعتباره مشروعا لنقل الفوسفات والبوتاس، بل كجزء من بناء منظومة نقل يمكن أن تتوسع مستقبلا وتدعم موقع الأردن في سلاسل الإمداد الإقليمية.

وهنا تلتقي ثلاثة عناصر في لحظة واحدة: ميناء العقبة، وسكة الحديد، والتحولات الكبرى في طرق التجارة البحرية.
إذا أحسن الأردن استثمار هذه العناصر، فقد تتحول العقبة من مجرد منفذ لاستيراد وتصدير البضائع الأردنية إلى بوابة لوجستية إقليمية تصل الخليج والعراق وبلاد الشام بالبحر الأحمر والأسواق العالمية.

لا أحد يستطيع التنبؤ إلى أين ستذهب المواجهة في البحر الأحمر وباب المندب، ولا ما إذا كان التصعيد الحالي سيتوسع أو يتراجع، لكن المؤكد أن خريطة التجارة العالمية تتغير بسرعة، وأن الأردن لا يملك ترف انتظار انتهاء الأزمات ثم التفكير في موقعه.

الاختبار الحقيقي للعقبة ان تتعامل مع باب المندب باعتباره خطرا يرفع كلفة تجارتنا، أو باعتبارها فرصة لتطوير العقبة، وتسريع مشاريع النقل والسكك الحديدية، وتوسيع الخدمات اللوجستية، وتحويل الأردن إلى جزء فاعل من البدائل التجارية الإقليمية.

فالفرصة لا تأتي دائما في ظروف مستقرة.. وأحيانا تولد الفرص الكبرى من قلب الأزمات، يبقى علينا تحويل الأزمة إلى فرصة يحتاج إلى قرار سريع، وبنية تحتية جاهزة، وتشريعات مرنة، وربط بري وسككي فعال، ومنظومة لوجستية تعمل كمنظومة واحدة من السفينة في العقبة إلى آخر شاحنة تصل إلى وجهتها.
  • {clean_title}
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير