banner
مقالات مختارة
banner

حين يغيّر الأسد مساره… لا تظنّ أن البوصلة أخطأت

{clean_title}
جهينة نيوز -
بقلم: الدكتورة إيمان الشمايلة

للأسد ذاكرةٌ لا تنام؛ فالأيام التي عبرها لم تكن فراغًا بين يومين، بل كانت مدرسةً طويلة، كتبت في ملامحه ما لا يُقرأ في الكتب، وعلّمته أن الطريق قد يبدو مستقيمًا لمن ينظر إليه من بعيد، بينما يعرف سالكه أن بعض المنعطفات تخفي أكثر مما تُظهر.
ولذلك، حين يتغيّر المسار، لا ينبغي أن يُساء فهم الأسد.
فمن له تاريخٌ عميق، لا تُقاس حركته بلحظة، ولا تُقرأ قراراته بمعزلٍ عن عمرٍ كامل من التجربة والمواقف.
قد تحيط بالمرء أحيانًا دوائرُ تجعل الرؤية أقل وضوحًا؛ أصواتٌ كثيرة، وتأويلاتٌ متباينة، ووجوهٌ قد تقود بحسن قصد أو بسوء تقدير إلى طريقٍ لم يكن هو الطريق الذي أراده.
وهنا يظهر الفرق بين من يعيش اللحظة، ومن يملك القدرة على مراجعة اللحظة.
فالأسد لا يبقى أسير الطريق لمجرد أنه سار فيه طويلًا.
إذا اكتشف أن المشهد لم يعد كما كان، يعيد قراءة الخريطة.
لا يضيع عمره في البحث عمّن أخطأ، ولا يجعل اكتشاف الحقيقة سببًا لانكساره؛ بل يحوّل التجربة إلى بصيرة، والارتباك إلى ترتيب، والمنعطف إلى بدايةٍ جديدة.
وهذه هي العبقرية: أن تكتشف أن الطريق لم يكن صحيحًا، ثم تخرج منه دون أن تفقد نفسك.
لكن الخروج من الطريق ليس وحده كافيًا.
فحين يتخذ الإنسان قرارًا مصيريًا، فإن أول ما ينبغي أن يقرأه ليس المسافة أمامه، بل المكان الذي يقف فيه والمحيط الذي يحيط به.
فالمكان الآمن ليس مجرد جدران، والمقرّ ليس مجرد عنوان؛ إنما الأمان الحقيقي أن تعرف من يدخل إلى دائرتك، ومن يملك مفاتيحها، ومن يحفظ غيابك كما يحفظ حضورك.
وحين تكون الحياة قد منحتك تاريخًا ومكانةً وتجاربَ كثيرة، تصبح حماية ما بنيته جزءًا من مسؤوليتك.
لا تترك محيطك للصدفة.
ولا تجعل القرب امتيازًا بلا استحقاق.
ولا تمنح ثقتك إلا لمن مرّت به الأيام ولم يتبدّل معدنه.
فمن يحمي الإنسان في لحظات التحول ليس كثرة من حوله، بل قلةٌ يعرفون معنى الأمانة.
قد تضيق الدائرة، نعم؛ لكن لتصبح أوضح.
وقد تتغيّر الوجوه، لكن لتبقى الوجوه التي عرفت قيمتك قبل أن تعرف مصلحتها منك.
وقد تتبدّل بعض المواقع، لكن لا ينبغي أن تضيع البوصلة معها.
وإذا كان الأمس قد كشف لك شيئًا، فلا تسمح للغد أن يجعلك تتجاهله.
فمن أضلّته كثرة الأصوات، يستطيع أن يستعيد طريقه حين يصغي إلى ما علّمته إياه التجربة.
ومن عرف أن بعض المسافات كانت ضرورية، لا يعود يندم عليها.
ومن عرف قيمة السكن والمكان والمحيط، لا يترك سلامته للصدفة، بل يجعل حوله من يطمئن إليهم، ويعرف كيف يحفظ خصوصيته، وكيف يرتّب دائرته، وكيف يجعل كل شخص في الموضع الذي أثبتته الأيام له.
فالأسد لا يحتاج إلى حصنٍ أعلى من الجميع؛ يحتاج إلى حصنٍ يعرف من فيه.
ولا يحتاج إلى كثرة الحراس؛ يحتاج إلى أن يعرف من يستحق أن يكون قريبًا.
ولا يحتاج إلى أن يخاف من كل عابر؛ يحتاج فقط إلى ألا يمنح مفاتيحه لمن لم تثبت الأيام أمانته.
وهنا تكمن الحكمة التي لا تُقال بصوتٍ مرتفع:
حين يتغيّر المسار، أمّن موضعك قبل خطوتك، وأمّن دائرتك قبل وجهتك، واقرأ تاريخك قبل أن تصنع قرارك.
فحياتك ليست لحظةً عابرة.
إنها ما بنيته يومًا بعد يوم، وما تحملته، وما تعلمته، وما تركته خلفك من أثر.
ومن بنى تاريخًا يستحق أن يحمي مستقبله بما تعلّمه من ذلك التاريخ.
لذلك، إذا غيّر الأسد مساره، فلا تظن أن البوصلة أخطأت.
ربما كان قد رأى ما لم تره العيون.
وربما أدرك أن بعض الطرق لا تُغلق لأنها انتهت، بل لأنها لم تعد تليق بالوجهة.
وربما كان كل ما فعله أنه عاد إلى بوصلته بعد اليقظة…
ثم اختار أن يمضي، هذه المرة، محاطًا بمن يأمنهم، وفي مكانٍ يعرفه، وعلى طريقٍ لا يترك فيه شيئًا ثمينًا للصدفة.
فالأسد الذي يعرف قيمة تاريخه لا يخاف من تغيير المسار؛
إنما يخشى أن يترك ما بناه عرضةً لمن لا يعرف قيمته.
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير