الهندسة واختبار السوق والذائقة الطلابية.. ماذا تقول نتائج القبول الموحد؟
د. خالد العاص
كشفت نتائج القبول الموحد للعام الجامعي 2026–2027 عن مؤشرات تستحق التوقف عندها، خصوصًا في ما يتعلق بمعدلات القبول في عدد من التخصصات الهندسية التقليدية، في وقت تتغير فيه نظرة الطلبة إلى مستقبلهم الأكاديمي والمهني.
وبلغ عدد الطلبة الذين تقدموا بطلبات صحيحة 71,014 طالبًا وطالبة، رُشّح منهم 46,355، بنسبة بلغت 65%، فيما لم يحصل 35% على ترشيح في أي من الخيارات التي تقدموا بها.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية أكبر عند مقارنتها بالعام السابق؛ إذ انخفض عدد المتقدمين من 74,521 إلى 71,014 طالبًا، بينما بقي عدد المرشحين قريبًا من مستواه السابق، وارتفعت نسبة الترشيح من 62% في العام 2025–2026 إلى 65% هذا العام. أما من حيث ترتيب الرغبات، فقد حصل 26,130 طالبًا وطالبة، أي نحو 56% من المقبولين، على أحد خياراتهم الخمسة الأولى، بما يعكس حضور اختيارات الطلبة الفعلية في خريطة القبول.
وهنا تبرز "ذائقة الطلبة" بوصفها أحد العوامل المهمة في فهم حركة القبول؛ فالهندسة، التي ظلت لعقود عنوانًا للتميز الأكاديمي والمكانة الاجتماعية، لم تعد خيارًا واحدًا في نظر الجيل الجديد، والطالب اليوم ينظر إلى التخصص من زاوية أوسع تشمل فرص العمل، وعدد الخريجين، وطبيعة المهارات المطلوبة، وإمكانات العمل داخل الأردن وخارجه.
في المقابل، أصبحت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبرمجيات والأمن السيبراني وتحليل البيانات والطاقة المتجددة أكثر حضورًا في اهتمامات الطلبة، وهذا لا يعني بالضرورة الابتعاد عن الهندسة أو العلوم التطبيقية، بقدر ما يعكس إعادة تعريف لمفهوم "هندسة المستقبل" وربطه بمجالات الاقتصاد الرقمي والوظائف الناشئة.
ويأتي ذلك أيضًا في سياق نظام الحقول والمسارات في الثانوية العامة، الذي وسّع مساحة الاختيار أمام الطلبة وربط خياراتهم الأكاديمية بصورة أوضح بالمسارات التي يدرسونها، ومع اتساع التخصصات المتاحة، لم تعد المنافسة محصورة في الأسماء الجامعية التقليدية، بل أصبحت تشمل مجالات تتقاطع فيها الهندسة مع التكنولوجيا والعلوم والمهارات الرقمية، ومن شأن هذا التحول أن يؤثر تدريجيًا في خريطة الطلب الجامعي ومعدلات القبول، مع ازدياد ارتباط قرار الطالب بتصوراته عن قدراته ومستقبله المهني.
وتبدو الهندسة المدنية مثالًا واضحًا على هذه المعادلة؛ فالأردن لا يستطيع الاستغناء عن المهندس المدني، في ظل حاجته المستمرة إلى مشاريع البنية التحتية والطرق والمياه والمباني والنقل والإسكان، لكن وجود حاجة إلى المهنة لا يعني بالضرورة قدرة السوق على استيعاب أعداد متزايدة من الخريجين بالمعدل نفسه.
ويشير تقرير أعدته نقابة المهندسين الأردنيين وجامعة الحسين التقنية عام 2025 إلى تجاوز عدد المهندسين المسجلين في النقابة 200 ألف مهندس، فيما يدرس نحو 39,300 طالب في البرامج الهندسية، مع وجود تشبع في عدد من التخصصات التقليدية مقابل احتياجات متزايدة في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والتكنولوجيا.
ومع ذلك، فإن انخفاض معدل القبول لا يعني تلقائيًا انخفاض قيمة التخصص؛ فمعدل القبول يتشكل نتيجة تفاعل عدد المقاعد مع أعداد المتقدمين وتوزيع معدلاتهم وترتيب رغباتهم. ولذلك، قد ينخفض معدل تخصص معين نتيجة تراجع الإقبال عليه، حتى من دون تغيير كبير في عدد المقاعد، فيما ترتفع المنافسة على تخصصات أخرى مع زيادة الطلب عليها.
ومن اللافت أن نسبة الترشيح في الحقل الهندسي تجاوزت 88%، وفق تصريحات مدير وحدة تنسيق القبول الموحد، ما يشير إلى أن الصورة لا تتمثل في ابتعاد شامل عن الهندسة، وإنما في إعادة توزيع للاهتمام داخل منظومة أوسع من التخصصات الهندسية والتكنولوجية.
وعليه، فإن السؤال الأهم ليس: لماذا انخفض معدل قبول الهندسة؟ بل أي مهندسين يحتاج الأردن؟ فالتحدي لا يرتبط بتخريج أعداد أكبر فحسب، وإنما ببناء مهارات تتلاءم مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، مهندس مدني يمتلك مهارات النمذجة الرقمية والاستدامة، ومهندس كهرباء قادر على التعامل مع الطاقة المتجددة والشبكات الذكية، ومهندس ميكانيك متمكن من الأتمتة والروبوتات.
في النهاية، لا تقدم نتائج القبول 2026–2027 حكمًا نهائيًا على مستقبل الهندسة في الأردن، لكنها تقدم مؤشرًا على تغير علاقة الطالب بالتخصص الجامعي؛ فالطالب لا يبتعد بالضرورة عن المستقبل، بل يبحث عنه بطريقة مختلفة، ويضع فرص العمل والمهارات المطلوبة في صلب قراره.











