banner
كتّاب جهينة
banner

من فرات الطاقة إلى فرات المتجمد

جهينة نيوز -
د. حازم قشوع

الفرات في معناه ليس محصوراً في نهر الفرات بشكله التجسدي المعروف وإنما يدل على الماء العذب وما يتجمع
 منه ويجري في الأرض، ولذلك فإن استحضار مفهوم «الفرات» هنا يأتي باعتباره دلالة على مخزون المياه العذبة المتجمع تحت الجليد، لا باعتباره إحالة إلى النهر المعروف وحده انما يشكل معنى جامع لمعنى الفرات بشكل اوسع حيث وقع الاسم بان معه معنى عذوبة المياه .

وإذا كان الفرات في جغرافيته المعروفة يبدأ من الأناضول، فإن شكله هناك يحمل دلالة جغرافية مهمة سيما فهو يتشكل من التقاء فرعيه الرئيسيين «قره صو» و«مراد صو» قرب كبان في تركيا فى الاناضول ، قبل أن يتجه جنوباً عبر سوريا والعراق. ومن هنا فإن الفرات ليس مجرى واحداً فقط، وإنما جغرافيا تتجمع فيها روافد متعددة لتشكل شرياناً يمتد عبر أكثر من دولة، وهو ما جعل موقعه مرتبطاً بالمياه والجغرافيا والطاقة والنفوذ.

وإذا كان الفرات قد أصبح عنواناً لمعركة الطاقة العضوية،
 حيث النفط والغاز والممرات التي ارتبطت بها حركة الاقتصاد والصراع والنفوذ، فإن معركة هرمز تمثل إحدى عقد هذه الجغرافيا، بما تمثله من أهمية للطاقة والتجارة وأمن الخليج. وإذا كانت معركة «فرات الطاقة» قد وصلت إلى مرحلة اختبار حاسمة، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمآلات هرمز، وإنما بمكان انتقال مركز الثقل الاستراتيجي بعده .؟

وفي هذا الخضم، فإن عين إسرائيل ستكون على فرات سوريا، ليس باعتباره مجرى مائياً فقط، وإنما باعتباره جزءاً من جغرافيا الأمن والمياه والحدود في جنوب سوريا. وهذا ما نبه إليه الملك عبدالله في كلمته أمام الجمعية العامة للأممية  عندما حذر من التوغلات الإسرائيلية المتكررة في جنوب سوريا، ومن التوسع الجغرافي وفرض وقائع جديدة على الأرض، بما في ذلك حول موارد مائية حيوية، مؤكداً أن أي تهديد لأمن الأردن المائي أو حدوده الشمالية هو تهديد للأمن الوطني الأردني وهو ما يعتبره متابعين عناونا لمعركة اخرى .

ومن هنا فإن «فرات سوريا» يدخل في معادلة الفرات الأوسع فى ترسيم الجمل وبيان العبارات فبعد أن كان الفرات عنواناً للمياه والطاقة والجغرافيا، أصبح اليوم متصلاً أيضاً بالحدود والأمن وإعادة تشكيل خرائط النفوذ. وبين فرات تركيا بروافده قره صو ومراد صو، وفرات سوريا بما يحمله من امتداد مائي وأمني، وفرات الطاقة في هرمز، تتشكل طبقات متداخلة من الجغرافيا قبل أن ينتقل المشهد إلى فرات آخر في أقصى الشمال.

لكن الجغرافيا لا تبقى ثابتة، ومع انحسار الجليد في القطب الشمالي بدأت مساحة أخرى من العالم تتقدم إلى واجهة السياسة الدولية. فإذا كان جزء كبير من المياه العذبة محصوراً في المناطق الجليدية، وكانت ثروات معدنية مهمة مطمورة تحت الجليد، فإن انحساره يعني كشف أرض وممرات وثروات كانت خلف الجليد، لتتحول تدريجياً إلى مجال جديد للاشتباك والتنافس.

فالقطب المتجمد الشمالي لم يعد مجرد مساحة جغرافية باردة وبعيدة عن حركة العالم، وإنما أصبح جغرافيا استراتيجية تتقاطع فيها المياه مع المعادن، والممرات البحرية مع الطاقة، والأمن مع النفوذ، لتعيد صياغة واحدة من أكثر خرائط العالم حساسية...وفي مرحلة الاصطفاف الدولي الجديدة، تبرز روسيا والولايات المتحدة في قلب المعادلة القطبية، فيما تتحرك الصين ضمن حسابات المصالح والممرات والثروات، وتدخل أوروبا بصورة أكثر وضوحاً عبر الدنمارك وغرينلاند والناتو. وهنا تتحول غرينلاند من مجرد أرض جليدية إلى نقطة ارتكاز في هندسة أمنية وجيوسياسية جديدة.

وفي هذا السياق يأتي لقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، ليضيف دلالة إلى حالة الاصطفاف الجديدة؛ ليس باعتباره إعلاناً عن تحالف أمريكي صيني، وإنما باعتباره تعبيراً عن مرحلة تتجه فيها القوتان إلى إدارة المصالح والتنافس ضمن طاولة دولية تتغير مواقعها فى مسرح العمليات القادمه .. فاللقاء يأتي 
في وقت تتقدم فيه الجغرافيا القطبية إلى واجهة الحسابات الدولية وتزداد فيه أهمية الممرات والثروات والمواقع الاستراتيجية...وفي المقابل، فإن التحركات الأمريكية والدنماركية والغرينلاندية في القطب الشمالي، وتعزيز الحضور الأمني والعسكري للناتو، تجعل غرينلاند جزءاً من منظومة أوسع تتداخل فيها الدنمارك وأوروبا والولايات المتحدة والناتو، في مقابل الحضور الروسي، مع بقاء الصين حاضرة في حسابات الثروة والممرات والنفوذ.

وإذا كان انحسار الجليد يكشف الأرض، فإن الاصطفاف يكشف الطاولة ومضمونها؛ فالمياه والمعادن والممرات لم تعد مجرد موارد طبيعية، وإنما أصبحت عناصر في إعادة تشكيل موازين النفوذ. ومن هنا يمكن فهم القطب الشمالي باعتباره «فراتاً متجمداً» ... فكما ارتبط الفرات بالماء والحياة والجغرافيا السياسية، فإن «فرات المتجمد الشمالي» يرتبط بالمياه العذبة والمعادن والممرات والثروات التي تبدأ بالظهور كلما انحسر الجليد...لكن الفارق أن انكشاف الفرات القديم صنع حضارات، بينما انكشاف الفرات المتجمد قد يصنع حدوداً جديدة للتنافس الدولي. فالاحتدام هنا لا يأتي من الجليد، وإنما من الأرض التي يكشفها، ومن الثروات التي تختزنها، ومن الممرات التي يفتحها، ومن الموقع الذي يسمح لمن يسيطر عليه بإعادة رسم خطوط الحركة بين أمريكا وأوروبا وروسيا وآسيا.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن معركة هرمز، «معركة فرات الطاقة»، قد تقترب من مرحلة حسم نطاقها ضمن معادلة الشرق الأوسط، لا بمعنى انتهاء آثارها أو إغلاق ملفات المنطقة، وإنما بمعنى إعادة توجيه مركز الثقل الاستراتيجي إلى مساحة أخرى بحيث تنتقل تدريجياً من عقدة هرمز، من «فرات الطاقة»، إلى عقدة الشمال حيث «فرات المتجمد»...وهنا تصبح المسألة أوسع من سؤال من ينتصر في هرمز، لتتصل بسؤال أين ستستقر معركة النفوذ التالية. فإذا كانت هرمز قد مثلت إحدى بوابات الصراع على الطاقة والممرات، فإن «فرات المتجمد الشمالي» قد يمثل بوابة أخرى للصراع على المياه والمعادن والممرات والتموضع الجغرافي.

وعندها قد لا يكون إغلاق دائرة الشرق الأوسط نهاية للصراع، وإنما انتقالاً في مركزه؛ من حرارة هرمز إلى برودة القطب، ومن مضيق يختزن حركة الطاقة إلى جليد يختزن المياه والمعادن، ومن هندسة الميدان إلى هندسة الطاولة...فإذا كان الفرات، بمعناه الجغرافي المعروف، عنواناً لمعركة الطاقة العضوية، فإن «فرات المتجمد الشمالي» عنوان لمعركة تتجاوز الطاقة العضوية إلى المياه والمعادن والممرات والجغرافيا، وربما إلى إعادة تشكيل خريطة النفوذ نفسها.

ومن هنا يصبح «فرات المتجمد الشمالي» أكثر من استعارة ضمنية فهو عنوان لجغرافيا صاعدة تتجمع فيها المياه العذبة والمعادن والممرات البحرية، وتلتقي عندها مصالح روسيا والولايات المتحدة وأوروبا والصين، فيما تتحول غرينلاند إلى إحدى نقاط الارتكاز في هذه الجغرافيا الجديدة...فهل تكون معركة «فرات الطاقة» قد اقتربت من ضربة حسم هذا اضنه اقرب للدقه، لا لإغلاق الصراع وإنما لإعادة توجيه بوصلته، بحيث يعاد تشكيل «الفرات» خارج الفرات، وينتقل مركز الثقل من مجرى الماء القديم إلى جغرافيا الماء المتجمد؟..ذلك هو السؤال الذي يضع القطب الشمالي أمام مرحلة مختلفة؛ ففرات النهر كان عنواناً لمعركة الطاقة العضوية، أما فرات المتجمد الشمالي فقد يكون عنواناً لمعركة الحسم على جغرافيا الموارد والنفوذ، حيث لا تتغير الخريطة بسبب انحسار الجليد وحده، وإنما بسبب القوى التي ستصل أولاً إلى ما يكشفه الجليد من مسرى الفرات الى بحر الفرات المتجمد على سطح المحيط .
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير