صوت الحق في عالم يتصدّع: قراءةٌ من وجد امرأة وعقل قيادي
صوت الحق في عالم يتصدّع: قراءةٌ من وجد امرأة وعقل قيادي
بقلم الدكتورة هبه حدادين
المديرة العامة لمساواة للتدريب وحقوق الإنسان
بين جدران الأمم المتحدة التي أضناها التراخي وأتعبتها المجاملات المفرغة من معناها، وقف صوت جلالة الملك عبدالله الثاني كشرطٍ يرفض الاعتياد. بصفتي امرأة تعايش نبض الشارع، وتحمل هموم العمل الإنساني بين النازحين والمهمشين، لم أقرأ هذا الخطاب بمنطق المحلل السياسي البارد، ولا بإنفعال المواطنة فحسب، بل قرأته بروح من تُعبت من تكرار المآسي المعلبة، ومن توقن أن القيادة الحقيقية لا تبتغي التصفيق الدبلوماسي بقدر ما تبتغي الحقيقة، ولو كانت قاسية كالشفرة.
لقد جرّدنا الخطاب الملكي من أوهامٍ طالما حاول العالم أن يبيعنا إياها كمسلمات، فلم يكن الخطاب مجرد كلمات تُلقى على مسامع العالم، بل كان تفكيكاً جريئاً، بيدٍ لا ترتجف، لبنيةٍ كاملة من الأكاذيب الممنهجة التي يغذيها صمتٌ دولي أصم، متجلياً في وهم التجزئة عبر محاولة فصل غزة عن الضفة لتكون ورقة توتٍ يائسة تخفي هدف إجهاض أي أمل بقيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة وتمزيق الجسد الواحد لكي نلهو بإنقاذ أعضائه المنفصلة بدلاً من إنقاذه حياً، ووهم التفاوض الذي يعتقد واهماً أن آلة الاستيطان المتعطشة والرفض الإسرائيلي العقيدي يمكن تغييرهما بالحوار وهي إما سذاجة سياسية لا تغتفر أو تواطؤ مقنع يُراد به إطالة عمر الاحتلال وتجميله، فضلاً عن وهم الصراع الديني عبر إلباس القضية ثوب "حرب الأديان" كتزوير مفضوح لجذور الصراع الذي يمثل قضية حقوق مسلوبة وكرامة إنسانية مُهدرة لا صراعاً بين مسلم ومسيحي ويهودي كما يريدوننا أن نؤمن لكي نقتاتل على فتات المواثيق.
وحين يتحدث الملك عن التمدد الإقليمي، وعن شعورٍ مرعب بالإفلات من العقاب، أشعر بقشعريرة تسري في عميق الوطن. نحن النساء، اللواتي ندرك قيمة شربة الماء وخصوبة الأرض، نرى بأعيننا كيف يُترك جنوب سوريا ليتحول إلى ساحة مفتوحة لاختبار الصمت الدولي، وكيف تُمس المصادر الحيوية للمياه بلا رادع. إن هذا التمادي لا يقف عند حدود الجغرافيا المجاورة، بل هو خطر زاحف يهدد استقرارنا وأمن أبنائنا.
وفي خضم هذا التهديد الممنهج، جاءت الرسالة الأردنية حاسمة، صارمة، كأمٍ ترفض أن يُعتدى على صغارها: الأمن القومي الأردني، والحدود الشمالية، والأمن المائي، هي خطوط حمراء لا تقبل المساومة. عبارة "لن يشيح الأردن بنظره" لم تكن مجرد بلاغة سياسية نُظمت لمنبر؛ بل هي إعلان واثق من دولة تعرف وزنها التاريخي، ولن تنتظر إذناً من عالمٍ تآمر على صمته لتحتفظ بحقها في حماية أرضها ومياهها وشعبها.
وما أقسى ما لفت نظري كحقوقية، هو تسمية العجز الدولي باسمه الحقيقي: إنه خيار متعمد. العالم الذي ينتفض بقراراته وعقوباته في أزمات أخرى، يبتلع لسانه حين يتعلق الأمر بانتهاكات الاحتلال، مكتفياً بقرارات تظل حبراً على ورق. هذه الازدواجية البشعة هي التي دمرت ما تبقى من ثقةٍ في منظومة العدالة الدولية، وأثبتت لنا أن القانون الدولي ليس سوى أداةٍ في يد الأقوى، يُشهرها حيث يشاء، ويغمدها حيث يشاء.
رغم سوداوية المشهد، يظل الأردن النموذج الحي للمقاومة الإيجابية والإنسانية؛ يحمي الإرث، يصون كرامة الإسلام، ويحمل أمانة الوصاية في القدس بصدقٍ لا يتغير بتغير المواسم. إننا نترك أمام أنفسنا سؤالاً مصيرياً لا يمكن الهروب منه: إذا استمر العالم في اختيار التجاهل، فإلى أين نمضي؟ المستقبل لا يصنعه ما تفعله قوى البغي فحسب، بل ما يختار العالم أن يغض الطرف عنه.
وبقدراتي كقيادية مجتمعية، أضع هذا السؤال أمام نقاشاتنا القادمة: أي الزاويتين نحتاج لتسليط الضوء عليهما أكثر في وعينا المجتمعي؟ أبعاد الأمن المائي والحدودي كعتبة وجودية؟ أم فضح ازدواجية المعايير الدولية كتشخيص لسبب الخطر؟










