banner
مقالات مختارة
banner

خطاب العمالقة

{clean_title}
جهينة نيوز -

بقلم: د. منى أبو حمدية
أكاديمية وباحثة

في السياسة، هناك كلمات تُقال وتنتهي بانتهاء المناسبة، وهناك كلمات تبقى حاضرة في المشهد لأنها تلامس جوهر اللحظة وتضع أمام العالم أسئلة يصعب تجاوزها. من هذا النوع جاءت كلمة جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، وهي كلمة حملت رؤية سياسية متماسكة في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد، ووضعت القدس وفلسطين والمقدسات والأمن الإقليمي والقانون الدولي ضمن سياق واحد، بما يعكس قراءة أردنية واعية لحجم التحولات التي تشهدها المنطقة.

منذ بداية الخطاب، كان واضحاً أن الملك يتحدث من موقع دولة تدرك حساسية المرحلة وتعرف أن الأزمات المتراكمة لا يمكن فصل بعضها عن بعض. فقد طرح أمام المجتمع الدولي سؤالاً يتجاوز تفاصيل الأحداث اليومية: ماذا يحدث عندما يطول الصمت الدولي إلى درجة تسمح للوقائع المفروضة على الأرض بأن تتحول إلى حقائق سياسية جديدة؟ هذا السؤال شكل أحد المرتكزات الأساسية للخطاب، وربط بين مسؤولية المجتمع الدولي تجاه القانون الدولي وبين ما يجري في فلسطين والمنطقة.

وفي تناوله للقضية الفلسطينية، حافظ الخطاب على وحدة المشهد الفلسطيني، فوضع غزة والضفة الغربية والقدس والاستيطان والتهجير والضم والدولة الفلسطينية ضمن صورة سياسية متكاملة. وقد أشار الملك إلى أن ما يجري في غزة من دمار، وما تشهده الضفة الغربية من استيطان ومصادرة للأراضي وضم فعلي، يقود إلى تقويض إمكانية قيام الدولة الفلسطينية القابلة للحياة. هذه القراءة تضع القضية في إطارها السياسي والقانوني، وتحول دون اختزالها في الجانب الإنساني وحده، لأن أصل المسألة يتعلق بشعب وأرض وحقوق وطنية وحق في تقرير المصير.

وفي قلب هذا المشهد حضرت القدس بقوة، باعتبارها قضية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة اليومية إلى التاريخ والهوية والقانون والوضع القائم. تأكيد الملك استمرار الأردن في حمل أمانة الوصاية الهاشمية والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس يحمل دلالة سياسية عميقة، لأنه يؤكد أن حماية المقدسات جزء من مسؤولية تاريخية راسخة، وأن أي تغيير في وضعها القائم يحمل تداعيات تتجاوز حدود المدينة إلى أمن المنطقة واستقرارها.

ومن موقعي كباحثة في التاريخ والتراث، تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة؛ فالقدس مدينة تختزن طبقات متراكمة من التاريخ والذاكرة والإرث الحضاري، ومقدساتها الإسلامية والمسيحية تشكل جزءاً أصيلاً من شخصية المدينة. ولهذا فإن الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم لا يرتبط بالبعد الديني وحده، وإنما يتصل كذلك بحماية التعدد الحضاري والديني للمدينة ومنع فرض واقع جديد يعيد تشكيل هويتها بالقوة.

وتبرز أهمية الخطاب أيضاً في جمعه بين المقدسات الإسلامية والمسيحية ضمن رؤية واحدة، وهو تأكيد على أن القدس مدينة ذات إرث ديني وإنساني متنوع، وأن حماية مسجدها وكنائسها ومواقعها التاريخية تتطلب احترام خصوصيتها التاريخية والقانونية. وقد جاء هذا الموقف منسجماً مع حديث الملك عن حماية المسيحية وإرثها في موطنها التاريخي، وعن مواجهة خطاب الكراهية والدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام.

ثم انتقل الخطاب إلى مستوى أكثر اتساعاً عندما تناول ما وصفه الملك بالطموحات التوسعية للحكومة الإسرائيلية، محذراً من تحولها إلى تهديد إقليمي. وقد ربط هذا التحذير بما يجري في سوريا من توغلات وتوسع جغرافي وفرض وقائع جديدة على الأرض، إلى جانب ما يرتبط بالموارد المائية، ليضع أمام المجتمع الدولي صورة لمخاطر تتجاوز حدود الساحة الفلسطينية وتمتد إلى الأمن الإقليمي بأكمله.

وهذه من أكثر نقاط الخطاب أهمية من الناحية الاستراتيجية؛ لأنها تنقل النقاش من حدود القضية الفلسطينية إلى طبيعة النظام الإقليمي الذي يمكن أن ينشأ إذا استمرت سياسة فرض الوقائع بالقوة. الأردن، بحكم موقعه الجغرافي وحدوده وتشابك مصالحه الأمنية والمائية مع محيطه، ينظر إلى هذه التطورات باعتبارها مسائل تمس أمنه الوطني مباشرة. ولهذا أكد الملك أن الأردن سيحمي أمنه وحدوده ومياهه ومصالح شعبه، وهي رسالة تعكس وضوحاً في تعريف المصالح الوطنية الأردنية وخطوطها الأساسية.

وفي هذا السياق، جاءت الإشارة إلى القانون الدولي في مكانها الطبيعي. فالخطاب يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تطبيق القواعد التي أُنشئت لحماية الدول والشعوب ومنع تحويل القوة إلى وسيلة لإعادة رسم الجغرافيا السياسية. كما دعا الملك إلى استخدام الأدوات التي يتيحها النظام الدولي، ومنها العقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزل الدبلوماسي، متسائلاً عن جدوى القرارات الدولية إذا بقيت من دون آليات تنفيذ فعالة.

وتكمن أهمية هذه الرسالة في أنها تتجاوز تسجيل الموقف إلى مساءلة آليات النظام الدولي نفسه. فالقانون يفقد جزءاً كبيراً من قيمته السياسية إذا أصبح تطبيقه متفاوتاً وفقاً للظروف أو الأطراف، والقرارات الدولية تحتاج إلى إرادة سياسية تجعلها قابلة للتنفيذ. لذلك حمل خطاب الملك سؤالاً واضحاً حول الفجوة بين ما يقوله المجتمع الدولي وما يفعله تجاه الوقائع القائمة على الأرض.

كما أن اللغة التي استخدمها الملك في توصيف الاستيطان والضم والتهجير جاءت مباشرة وواضحة، بعيداً عن المصطلحات التي قد تخفف من وقع الأفعال ونتائجها. وهذه مسألة مهمة في السياسة الدولية؛ لأن المعركة على تعريف الواقع جزء من المعركة السياسية نفسها، وتسمية الفعل بما يتوافق مع طبيعته ونتائجه تساعد على إبقاء المسؤولية السياسية والقانونية واضحة أمام الرأي العام الدولي.

وفي الوقت نفسه، حافظ الخطاب على مساحة واسعة للدبلوماسية والحوار. الأردن يطرح نفسه دولة تؤمن بالحلول السياسية والعمل الدولي المشترك، مع تمسكه بمواقفه وثوابته. وقد أكد الملك أن تمسك الأردن بالدبلوماسية لا ينبغي تفسيره باعتباره ضعفاً، وهي رسالة تعكس طبيعة السياسة الأردنية التي تجمع بين الانفتاح على الحوار والوضوح في الدفاع عن المصالح الوطنية والمبادئ التي يتبناها الأردن تجاه القضية الفلسطينية والقدس.

ومن هنا يمكن فهم الجهد الذي يبذله الملك عبدالله الثاني في المحافل الدولية ضمن سياق متصل، فقد ظل الأردن يضع حل الدولتين، وقيام الدولة الفلسطينية، ورفض الاستيطان والضم، وحماية المقدسات، ودعم الأونروا، ورفض تهجير الفلسطينيين، ضمن أولويات خطابه السياسي. وقد عزز الملك هذه الرسائل خلال لقائه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، حيث جرى التأكيد على ارتباط الاستقرار الإقليمي بتحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وإقامة دولته، مع التحذير من إجراءات الضم وتوسيع المستوطنات والانتهاكات التي تطال المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

وتتضح قوة الخطاب كذلك في قدرته على الربط بين الملفات المختلفة من دون أن يفقد مركزه السياسي. غزة مرتبطة بالضفة، والضفة مرتبطة بالقدس، والقدس مرتبطة بمستقبل الدولة الفلسطينية، والقضية الفلسطينية مرتبطة بأمن المنطقة، والأمن الإقليمي مرتبط بالقانون الدولي وبقدرة المجتمع الدولي على منع فرض الوقائع بالقوة. هذه الرؤية المتكاملة تمنح الخطاب وزنه، لأنها تقرأ الأحداث ضمن مسارها السياسي والجغرافي والتاريخي بدلاً من التعامل معها كأزمات منفصلة.

أيضاً كباحثة في التاريخ والتراث، أجد أن حديث الملك عن القدس يحمل قيمة إضافية؛ فالمدينة ليست مجرد موقع سياسي متنازع عليه، وإنما فضاء تاريخي وحضاري تتقاطع فيه الأديان والذاكرة الإنسانية والتراث المادي وغير المادي. حماية مقدساتها تعني تماماً حماية سياقها التاريخي، والحفاظ على تعددها الديني، وصون المكان من عمليات تغيير تفرضها القوة وتعيد تعريفه وفق رؤية أحادية.

أما وصف الخطاب بأنه من "خطابات العمالقة"، فمصدره في تقديري قدرته على الجمع بين الرؤية السياسية والحس التاريخي والقراءة الجيوسياسية. الخطابات الكبرى تترك أثراً عندما تتجاوز وصف اللحظة إلى قراءة اتجاهاتها، وتضع أمام العالم مسؤولية التعامل مع نتائجها قبل أن تتحول الوقائع المؤقتة إلى ترتيبات دائمة. وفي كلمة الملك، ظهرت هذه الرؤية من خلال الربط بين فلسطين والقدس وسوريا والأمن الإقليمي والمياه والقانون الدولي، إلى جانب التأكيد على مكانة الأردن ودوره ومسؤولياته.

لقد تحدث الملك من موقع قائد يعرف وزن بلاده في الإقليم، ويدرك أن موقع الأردن الجغرافي يجعله في قلب…
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير