اوعوا النار… لا تقطعوا الصلاة و لا تكبيرة الإحرام
د. محمد العزة
اعتدنا على الأمهات من جيل الأوائل، أثناء أداء الصلاة، بالتزامن مع وقت اعداد الطعام ، واذا ما كان هناك ثمة شيء ما فوق نار الغاز ، من أن يلبثن و البدء باعطاء إشارات و توجيه رسائل انذار في اشكال متعددة، بغرض تنبيه الآخرين منها : رفع صوت التكبير، أو أثناء نطق الشهادتان، وأحيانا مجرد الايماء و هز الرأس.
وإذا زادت الهواجس، بأن هناك خطر داهم، تُقطع المناسك كلها، وتُفرض حالة الطوارئ، وتبدأ عملية توزيع الأحكام، وتتفاوت درجة العقاب لمن لم يفهم لغة الإشارة في وقتها.
لكن المقصود من كل ذلك لم يكن تعطيل الصلاة، و إنما لفت الإنتباه إلى ما هو فوق النار، لتفادي وقوع حادث خطر أو تجنبه قد يؤدي إلى الانفجار و اندلاع حريق سريع الانتشار.
وهنا يمكن إسقاط الحكاية على المشهد الحكومي اليوم.
لا توجد حكومة بلا أخطاء، ولا توجد حكومة تستطيع تنفيذ برنامجها كاملا، خصوصا عندما تبدأ عملها تجاه ملفات متراكمة هي تركة حكومات سابقة، بعضها قد يستنفذ جهود و طاقة أي وزارة وليس بالضرورة انجازها بالكامل خلال مدتها الدستورية .
في النهاية الطواقم الحكومية حكما هم بشر تخضع قدراتهم للطبيعة البشرية وحدودها، وقد يخطئون في التقدير أو التنفيذ، وقد تصطدم قراراتهم بتعقيدات بيروقراطية أو مالية أو إدارية متراكمة.
لكن، وبصراحة، فإن إحدى مشكلات الحكومة الحالية وخطيتها تقع في رقبة الإعلام الرسمي، الذي لم يستطع حتى الآن أن يعبر عن كثير من أعمالها وإنجازاتها بالصورة التي تستحقها، واكتفى في بعض الأحيان بإظهارها بصورة باهتة ، عادية، بينما تترك الأخطاء تتقدم الانطباع العام للمشهد ، وتتحول بعض الملاحظات إلى حالة سياسية وإعلامية أكبر من حجمها.
الإعلام الحكومي ليس مطلوبا منه أن يصفق للحكومة، و إنما أن يشرح للناس .
أن يقول لهم: ماذا تفعل الحكومة؟ لماذا اتخذت هذا القرار؟ ما المشكلة التي تحاول معالجتها؟ وما الذي تغير على أرض الواقع؟
فغياب الشرح يترك مساحة واسعة للتفسير، والتفسير يفتح الباب أمام الشائعة، والشائعة عندما تجد بيئة سياسية واجتماعية قلقة تستطيع أن تتحول إلى حقيقة في الوعي العام، حتى قبل أن تكون حقيقة في الواقع.
وهناك، في المقابل، وجهة نظر موضوعية تستحق التوقف عندها لدى فرق رقابة نشاط العمل الحكومي، سواء كانوا من المنتقدين أو المحللين أو الداعمين.
فرئيس الوزراء الحالي جعفر حسان و بحكم المواقع المختلفة التي تولاها و لفترات طويلة، يمتلك تجربة وخبرة سابقة في وضع البرامج و معرفة الأوضاع الاقتصادية التي مرت بها الدولة الأردنية و ميزانيتها ، ولديه تصريحات وملاحظات سابقة حول عدد من الملفات والسياسات.
وهنا يصبح السؤال مشروعا: ماذا يفعل صاحب التجربة عندما يصبح في موقع القرار؟
هل يخرج ليقول للرأي العام: هذه ملاحظاتي التي قلتها سابقا، وهذه الملفات التي كنت أرى فيها خللا، وهذا ما سأفعله اليوم لتصويبها؟
إذا فعل ذلك، فإنه يحول تجربته السابقة إلى برنامج عمل ومسؤولية سياسية.
أما إذا لم يحدث ذلك، ولم يستطع الإعلام الحكومي القيام بدوره فإننا أمام حكومة كغيرها لا تربط بين ماهو سابق وما تفعله اليوم، لذا تبقى ثقة المواطن تجاهها ضمن المعدل المعهود ، أقل من الطبيعي .
حيث الحكومة التي تأتي بعد حكومات متعاقبة يفترض ألا تبدأ من الصفر، بل أن تبدأ من حيث انتهى الآخرون، وأن تعرف أين أصابوا وأين أخطأوا، ثم تبني على ذلك.
وهذا هو الفارق بين حكومة تسيير أعمال وحكومة تحاول ابتكار حلول من رحم الأزمات.
الأردن مر بمراحل صعبة كثيرة، وهذه المرحلة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة. ولذلك لا يحتاج المواطن إلى حكومة تدعي أنها لا تخطئ، و إنما يحتاج إلى حكومة تعرف الملفات الساخنة فوق النار، وتعرف كيف تنبه الناس إليها، وتعرف كيف تمنعها من التحول إلى حريق.
بالإمكان أن يكون الخطاب الإعلامي أكثر وضوحا حول ملفات تمس الحياة اليومية للمواطن مباشرة: زيادة مخصصات صندوق دعم الطالب في الجامعات، والنقل المدرسي، وبرنامج التغذية المدرسية، والحدائق العامة، والخدمات المحلية، اسعار الكهرباء ، حدود خط الفقر ، الاستثمارات و المشاريع الجديدة وغيرها من الملفات التي يستطيع المواطن أن يرى أثرها في حياته اليومية.
فالمواطن لا يعيش على أرقام المؤشرات فقط، ولا يقرأ الخطط الحكومية كما يقرأها الخبراء.
هو يريد أن يعرف: ماذا تغير في حياتي؟
أقسم بأغلظ الإيمان أن من يقبل هذه الأيام بأن يصبح وزيرا، أو يهيئ أوضاعه للوصول إلى مجلس النواب، أو مواقع المسؤولية الخدماتية العامة لا يقبل أن يدخل هذه المواقع الا بحثا عن تحسين وضعه الشخصي اولا .
في حين أن الوزارة والنيابة البرلمانية اليوم ليستا وجاهة اجتماعية، ولا امتيازا شخصيا، و لا رصيدا بنكيا ولا لقبا يضاف إلى السيرة الذاتية.
إنها تكليف يحتاج إلى شغل وبذل جهد يفوق الطاقة أحيانا، واشتباك يومي مع الملفات ومع الشارع ومع أسئلة الناس.
ومن يدخل الحكومة أو البرلمان في هذه المرحلة عليه أن يعرف مسبقا أن الملفات المتراكمة لن تمنحه وقتا طويلا للاحتفال بالمنصب.
سيجد أمامه اقتصادا يحتاج إلى حلول، وإدارة تحتاج إلى إصلاح، وشبابا يريدون فرصا، وطبقة وسطى تتحمل أعباء متزايدة، ومواطنا غارقا بالهموم يريد أن يرى أثر الدولة في تفاصيل حياته اليومية.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل أخطأت الحكومة؟
فالخطأ وارد.
وليس السؤال أيضا: هل الحكومة نجحت في كل شيء؟
فهذا غير واقعي.
السؤال الأهم هو: هل تمتلك الحكومة القدرة والإرادة على اكتشاف الخطأ وتصحيحه، وعلى تحويل التجربة السابقة إلى معرفة، والمعرفة إلى قرار، والقرار إلى أثر يشعر به المواطن؟
وهنا نعود إلى حكاية جيل الأوائل.
إذا كان هناك شيء فوق النار، فلا داعي لأن نقطع الصلاة كلها.
يكفي أن يفهم الجميع لغة التنبيه.
ثم يلتفت من عليه مسؤولية رقابة مصادر النار و الالتفات إليها، يطفئها إن لزم، ويعود كل شيء إلى مكانه.
أما أن يبقى الناس منشغلين بمن رفع صوته بالتكبير، ومن هز رأسه، ومن لم يفهم الإشارة، بينما النار ما تزال فوق الغاز، فهذه هي المشكلة الحقيقية.
الأردن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج حول الكراسي والمناصب , يحتاج إلى من يجلس عليها وهو يعرف أنها تكليف، وأن فوق النار ملفات لا تحتمل الانتظار.
والا حذاري فانفجار طنجرة الضغط قادم و التاريخ لا يرحم كل متخاذل أو مقصر .








