2026-09-16 - الأربعاء
banner
منوعات و غرائب
banner

"ضغوط رقمية" تدفع إلى الاكتئاب .. دراسة تكشف "الخطر الصامت"

{clean_title}
جهينة نيوز - لا تبدو سنوات المراهقة دائماً مجرد مرحلة عابرة من التغيرات النفسية والجسدية، إذ تتزامن هذه الفترة الحساسة مع ضغوط متزايدة تضع الصحة النفسية للشباب أمام تحديات أكثر تعقيداً، من العالم الرقمي والتنمر الإلكتروني إلى اضطرابات النوم والضغط الدراسي.

وتشير دراسة حديثة إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات الاكتئاب والانتحار وإيذاء النفس بين الشباب في البلدان ذات الدخل المرتفع، لافتة إلى أن هذا الارتفاع لا يرتبط فقط بتغير طرق التشخيص، بل تدعمه أيضاً مؤشرات موضوعية على شدة المرض، فيما تطرح الدراسة مجموعة من التدخلات التي تبدأ بالوقاية المبكرة قبل الوصول إلى مرحلة العلاج، وفق ما نشرته دورية Nature.

وتزداد حساسية مرحلة المراهقة بسبب ما يحدث داخل الدماغ نفسه؛ فالجهاز الحوفي، المرتبط بالانفعالات والدوافع، ينضج في وقت مبكر، بينما تتأخر قشرة الفص الجبهي في اكتمال نموها، لتنشأ فجوة في التوقيت بين منطقتين أساسيتين، وهو ما قد يجعل الشباب أكثر عرضة للاضطرابات النفسية.

لكن هذا الاستعداد البيولوجي لا يعمل بمعزل عن البيئة المحيطة، فالشباب يعيشون اليوم وسط ضغوط رقمية وأكاديمية واجتماعية متداخلة، فيما تتراكم آثارها على الصحة النفسية بطرق يصعب فصلها عن بعضها.

على غير المتوقع، ففي البلدان ذات الدخل المرتفع، برز ارتفاع واضح في الاكتئاب والانتحار وإيذاء النفس بين الشباب، وهو اتجاه لا ترى الدراسة أن تغير ممارسات التشخيص قادر وحده على تفسيره.

فإلى جانب اتساع نطاق التشخيص، تظهر مؤشرات موضوعية على زيادة شدة المرض، ما يشير إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بكون المزيد من الشباب يحصلون على تشخيصات نفسية، وإنما بوجود تدهور فعلي في جوانب من صحتهم النفسية.

وبينما تتسع مساحة العالم الرقمي في حياة الشباب، تظهر مجموعة من العوامل التي قد تدفع في الاتجاه نفسه، من الاستخدام الرقمي الواسع والتنمر الإلكتروني إلى الضغط الأكاديمي واضطرابات النوم.

وتبرز مشكلة النوم بشكل خاص باعتبارها عامل خطر مشتركاً بين عدد من الاضطرابات، فيما جاءت جائحة كوفيد-19 لتسرع مسارات كانت موجودة بالفعل نحو تدهور الصحة النفسية، مع آثار لافتة على اضطرابات الأكل وعلى التطور الاجتماعي والعاطفي للشباب.

ولا تضع الدراسة العلاج وحده في مقدمة الحلول، بل تدفع باتجاه تدخل يبدأ قبل تفاقم المشكلة، عبر التعامل مع البيئة التي يعيش فيها الشباب يومياً.

وفي هذا الإطار، يقترح باحثون من معاهد وجامعات تايوانية إطاراً من ثلاثة مستويات، يبدأ بتدخلات شاملة تشمل تنظيم البيئات الرقمية، وإدماج التعلم الاجتماعي والعاطفي، وتوفير دعم مؤسسي لممارسة النشاط البدني بانتظام.

أما الشباب الأكثر عرضة للخطر، فتتطلب مساعدتهم متابعة استباقية لصحة النوم والعمل على تخفيف الضغوط المرتبطة بالتحصيل الدراسي، خصوصاً في البيئات الأكاديمية شديدة التنافس.

وعندما تصل الحاجة إلى الرعاية المتخصصة، تركز التوصيات على تقديم علاجات نفسية متكاملة تستند إلى الأدلة، إلى جانب بروتوكولات منظمة تساعد على العودة إلى الدراسة بعد تلقي الرعاية النفسية.

والفكرة الأساسية التي تطرحها الدراسة تتجاوز التعامل مع الاضطراب بعد ظهوره، إلى محاولة قطع الطريق عليه في وقت مبكر، عبر الانتقال من نماذج تركز على التشخيص والعلاج إلى أطر استباقية تقلل عوامل الخطر وتعزز العوامل الوقائية.

ويشمل ذلك توفير بيئات تساعد على انتظام الساعة البيولوجية، وتشجع النشاط البدني، وتدعم التنظيم العاطفي والتواصل مع الأقران، بما يعزز قدرة الشباب على التعامل مع الضغوط ويحافظ على صحتهم النفسية.

لكن الصورة العالمية لا تزال ناقصة، إذ تحتاج البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل إلى مزيد من الدراسات الوبائية واسعة النطاق لفهم كيفية تطور هذه الاتجاهات والعوامل التي تقف وراءها في سياقات اجتماعية وثقافية مختلفة.

كما تبرز الحاجة إلى تتبع عوامل الخطر القابلة للتعديل بمرور الوقت، بما يساعد على تحديد النقاط التي يمكن التدخل عندها قبل أن تتحول الضغوط إلى اضطرابات نفسية أكثر حدة.

في النهاية، لا تضع الدراسة مسؤولية مواجهة هذه الضغوط على عاتق الشباب وحدهم، بل تربط الوقاية بقدرة المجتمعات على توفير بيئات أفضل للنوم والنشاط البدني والتنظيم العاطفي.

ومن هنا، يصبح إدماج الصحة النفسية للشباب في السياسات التعليمية والاجتماعية جزءاً من الاستجابة، خصوصاً في ظل الضغوط الرقمية والأكاديمية والاجتماعية المتزايدة، بما يدعم المرونة والرفاه على المدى الطويل.
تابعو جهينة نيوز على google news
 
Email : info [at] johinanews.com
 
تصميم و تطوير