رسالة دحلان واجتماع بيروت: حدود الارتدادات
محسن الشوبكي خبير امني واستراتيجي
في مطلع أيلول 2026، برزت حركتان متزامنتان من محمد دحلان وتياره: الرسالة التي نُسبت إليه حول المصالحة والمشروع الوطني، واللقاء مع حماس في بيروت. كلاهما يستحق تقييماً حذراً يميز بين الخطاب المعلن والنتائج الفعلية، وبين مجرد فتح قنوات التواصل واحتمال الانتقال إلى اصطفاف سياسي وانتخابي عملي.
قدمت الرسالة صياغة متماسكة تقوم على تحريم الدم الفلسطيني في الصراع السياسي، والتأكيد على أن السلاح لا يحدد من يحكم، والدعوة إلى الانتقال من إضعاف بعضنا البعض إلى التعاون في بناء الوطن ودولة المؤسسات. غير أن حدود هذه الرسالة وغاياتها السياسية ما زالت غير واضحة، خصوصاً ما إذا كانت تعكس مراجعة داخلية في خطاب التيار أم تمهّد لتموضع سياسي أوسع. فلا تتوفر مؤشرات مؤكدة على نجاحها في توحيد صفوف التيار داخلياً، كما لا يمكن الجزم بما إذا كانت موجهة حصراً إلى كوادره، أم أنها تحمل رسائل أوسع إلى تنظيمات وقوى فلسطينية أخرى. كما أن غياب ردود الفعل الرسمية المعلنة من فتح أو حماس أو السلطة يجعل من الصعب حتى الآن قياس أثرها خارج دائرة التداول الإعلامي.
أما اجتماع بيروت بين وفد حماس وقيادة التيار في الساحة اللبنانية، فيبدو استكمالاً لمسار اللقاءات التي جرت في القاهرة والعلمين. وقد حافظ الاجتماع على قناة التواصل، وأكد على الانتخابات كحق ورفض الإقصاء، لكنه لم يُنتج إعلاناً مشتركاً أو التزاماً ملموساً بتشكيل قائمة انتخابية. لذلك تبدو طبيعته حتى الآن تنسيقية أكثر منها تحالفية نهائية.
وفي هذا السياق، ترددت معلومات غير مؤكدة حول دور سمير المشهراوي في إدارة التواصل الانتخابي مع حماس، إلى جانب تقديرات غير مؤكدة تتحدث عن مخاوف داخل فتح من أن يؤدي أي تقارب إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل الحركة، بما قد ينعكس على حسابات الانتخابات وتوقيتها. ورغم عدم إمكانية التعامل مع هذه المعلومات باعتبارها حقائق مثبتة، فإن تداولها بحد ذاته يعكس حساسية المعادلة الانتخابية واحتمال تأثير أي اصطفاف جديد في موازين القوى داخل فتح والمشهد الفلسطيني عموماً.
الأهم أن تحركات دحلان قد لا تكون محصورة في محاولة إنتاج تحالف انتخابي مباشر مع حماس. فثمة احتمال آخر يتمثل في إعادة تموضع تياره من كونه طرفاً في الصراع الداخلي الفلسطيني إلى طرف قادر على فتح قنوات مع أطراف هذا الصراع والتواصل معها، بما قد يمنحه هامشاً سياسياً أوسع في أي ترتيبات فلسطينية مقبلة.
وعليه، فإن قيمة هذه التحركات لا تُقاس بعدد اللقاءات أو قوة الرسائل وحدهما، بل بقدرتها على الانتقال من إدارة العلاقات إلى إنتاج نتائج سياسية قابلة للقياس: تغيير في مواقف حماس، تفاهمات انتخابية واضحة، انعكاسات داخل فتح، أو ظهور اصطفافات جديدة في المشهد الفلسطيني.
حتى الآن، تبدو التحركات أقرب إلى بناء هامش سياسي واتصالات متعددة المسارات منها إلى تشكيل تحالف انتخابي مكتمل. لكن الأسابيع المقبلة ستكون أكثر دلالة: هل يتحول هذا الهامش إلى اصطفاف سياسي وانتخابي جديد، أم يبقى في إطار إدارة العلاقات وإعادة التموضع دون ترجمة سياسية عملية؟












