الشرق الأوسط وإعادة تشكيل الأمن الإقليمي قراءة أولية في التحولات الإقليمية والمرونة الوطنية والجاهزية الشاملة
جهينة نيوز -بقلم: ممدوح سليمان العامري
لم يعد الشرق الأوسط يعيش أزمة إقليمية عابرة يمكن احتواؤها بإجراءات تكتيكية أو تسويات مؤقتة، بل دخل مرحلة أعمق تتغير فيها موازين القوى، وتُعاد صياغة معادلات الردع، وتتبدل أنماط التحالف والشراكة، وتتداخل القوة العسكرية مع الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن السيبراني والفضاء المعلوماتي. وفي مثل هذه البيئة، لا تُقاس قدرة الدول فقط بقدرتها على التعامل مع الأزمات عندما تقع، وإنما بقدرتها على استشرافها، وتقليل آثارها، والحفاظ على استقلال قرارها، وضمان استمرار مؤسساتها ومصالحها الوطنية تحت الضغط.
ومن هنا، فإن قراءة الموقف الأردني من التحولات الإقليمية لا ينبغي أن تُختزل في رد فعل على تطور عسكري أو أزمة سياسية بعينها، وإنما يجب أن تُقرأ في إطار أوسع يتعلق بكيفية حماية الدولة لسيادتها ومصالحها العليا في إقليم تتغير قواعده بسرعة. فالسيادة الوطنية لم تعد مجرد السيطرة على الأرض وحماية الحدود والمجال الجوي، على أهميتها، وإنما أصبحت قدرة متكاملة على حماية القرار السياسي، وتأمين البنية التحتية الحيوية، وصون الاقتصاد الوطني، وحماية الفضاءين السيبراني والمعلوماتي، والحفاظ على تماسك المجتمع وثقته بمؤسساته.
وهنا تحديدًا تكمن خصوصية الحالة الأردنية. فالأردن ليس طرفًا في معظم الصراعات التي تحيط به، لكنه يتأثر بتداعياتها بحكم الجغرافيا والموقع السياسي والاقتصادي. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي أمامه ليس اختيار الصراعات التي يدخلها، وإنما امتلاك القدرة على إدارة آثارها دون أن تتحول المملكة إلى ساحة لها، أو يصبح قرارها الوطني رهينة لتوازنات الآخرين.
شهد الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة تغيرًا واضحًا في طبيعة التهديدات ومصادر القوة. فإلى جانب الجيوش والدول، أصبح الفاعلون من غير الدول جزءًا أساسيًا من المعادلة الأمنية، كما أصبحت الطائرات المسيّرة والصواريخ والهجمات السيبرانية وحملات التضليل واستهداف البنية التحتية الحيوية أدوات مؤثرة في الصراع. ولم يعد التنافس الإقليمي يدور فقط حول الأراضي أو النفوذ السياسي، بل امتد إلى الممرات التجارية، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والقدرة على التأثير في الرأي العام وصناعة الإدراك.
وهذا التحول يعيد تعريف مفهوم الردع نفسه. فالدولة التي تستطيع حماية حدودها، لكنها لا تستطيع حماية بنيتها التحتية الحيوية أو اقتصادها أو فضائها المعلوماتي، تظل معرضة لأشكال جديدة من الاستنزاف. كما أن الدولة التي تمتلك قوة عسكرية متقدمة، لكنها تفتقر إلى المرونة الاقتصادية والمؤسسية والاجتماعية، قد تواجه صعوبة في الحفاظ على قدرتها على الصمود في أزمة طويلة.
لذلك، أصبح الأمن الوطني الحديث منظومة متكاملة تتفاعل فيها القوة العسكرية مع الدبلوماسية والاقتصاد والتكنولوجيا والمعلومات والمجتمع.
في هذا السياق، يكتسب اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي وقعته المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في 7 آب 2026، أهمية تتجاوز الدول الثلاث الموقعة عليه. فقد نص الاتفاق على أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد اعتداءً عليها جميعًا، فيما وصف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان هذا المبدأ بأنه مماثل تقنيًا للمادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي، مع التأكيد أن الاتفاق ليس موجّهًا ضد إيران أو أي دولة بعينها، وأن تفاصيل آليات تنفيذه ستُبحث لاحقًا.
ولا ينبغي، في تقديري، قراءة الاتفاق باعتباره قد أصبح بالفعل حلفًا عسكريًا مكتمل الأركان، أو إطلاق توصيفات من قبيل "الناتو الإسلامي" قبل أن تتبلور آلياته المؤسسية والعملياتية. فالقيمة الحالية للاتفاق تكمن في دلالته السياسية والاستراتيجية: ثلاث قوى إقليمية ذات عناصر قوة مختلفة تبحث عن إطار مشترك لتقاسم المخاطر وتعزيز الردع.
السعودية تمتلك الثقل الاقتصادي والسياسي والموقع المحوري في الخليج والعالم العربي والإسلامي؛ وتركيا تجمع بين القدرات العسكرية والصناعية والتكنولوجية وموقع جيوسياسي ممتد بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط؛ بينما تمتلك باكستان خبرة عسكرية واسعة وثقلًا استراتيجيًا في جنوب آسيا. وجمع هذه القدرات في إطار واحد يخلق شبكة مختلفة عن التحالفات التقليدية القائمة على التجانس الجغرافي.
والأهم أن الاتفاق لم يأتِ من فراغ، بل سبقه مسار تشاوري بين السعودية وتركيا وباكستان ومصر ضمن مجموعة "R4"، بما يعكس وجود مساحة أوسع للتنسيق الإقليمي تتجاوز الاتفاق الثلاثي نفسه. وقد يكون أهم ما يكشفه اتفاق مكة أن دول المنطقة بدأت تبحث عن تنويع مصادر الأمن بدل الاعتماد على مظلة واحدة أو ترتيب أمني واحد. وهذا لا يعني بالضرورة الانفصال عن الشراكات القائمة، ولا يعني أن ترتيبات جديدة ستحل محل الدور الأمريكي أو غيره، بل يعني أن بعض الدول تسعى إلى امتلاك قدر أكبر من القدرة الذاتية على الردع، وتوزيع المخاطر، وتعدد الشركاء.
وقد أكدت تركيا أن اتفاق مكة يكمل التحالفات والترتيبات القائمة ولا يحل محلها. وهذه نقطة مهمة؛ لأنها تشير إلى أن الاتجاه المحتمل ليس نحو إنشاء منظومة أمنية واحدة مغلقة، وإنما نحو شبكة متعددة المستويات من الشراكات الأمنية. وفي هذه الشبكة، قد تكون الدولة عضوًا في ترتيب دفاعي، وشريكًا في ترتيب آخر، ومتعاونًا في ملف أمني محدد مع دولة ثالثة، من دون أن يعني ذلك أنها أصبحت جزءًا من محور واحد في جميع القضايا.
وهذا النموذج أكثر انسجامًا مع طبيعة الشرق الأوسط؛ حيث تتقاطع المصالح، وتختلف التهديدات، وتتعدد العلاقات الدولية، ومن المبكر الجزم بمسار واحد لمستقبل اتفاق مكة أو بنية الأمن الإقليمي، لكن يمكن تصور ثلاثة اتجاهات رئيسية.
الأول، التوسع المؤسسي، بحيث يتطور الاتفاق إلى إطار أوسع وتنضم إليه دول أخرى، وربما مصر، وتتطور آليات التشاور والتخطيط والتعاون الدفاعي.
والثاني، نشوء شبكة أمنية متعددة المستويات، يبقى فيها الاتفاق الثلاثي قائمًا، لكنه يصبح جزءًا من شبكة أوسع من الشراكات والتعاون الوظيفي بين دول المنطقة.
أما الثالث، فهو بقاء الاتفاق إطارًا ردعيًا سياسيًا يحتفظ بقيمته الاستراتيجية، لكن دون أن يتحول إلى منظومة دفاعية متكاملة بسبب اختلاف الأولويات والتهديدات بين أطرافه.
وتبرز مصر بصورة خاصة في هذا السياق؛ فقد كانت جزءًا من مسار التشاور الإقليمي الذي سبق الاتفاق، كما طُرح احتمال انضمامها مستقبلًا. وإذا تحقق ذلك، فإن الوزن الجيوسياسي للترتيب سيتغير بصورة ملموسة، بالنظر إلى موقع مصر وقدراتها العسكرية ومكانتها العربية والسياسية.
أما دول الخليج الأخرى، فمن المرجح أن تراقب تطور الاتفاق وآلياته التنفيذية قبل اتخاذ مواقف نهائية. فهذه الدول تمتلك أصلًا ترتيبات دفاعية جماعية وعلاقات أمنية متعددة، ولذلك قد يكون التعاون الوظيفي في مجالات محددة أكثر جاذبية من الالتزام الفوري بتحالف دفاعي جديد.
أما العراق، فمن المرجح أن يظل حريصًا على تجنب الاصطفافات التي قد تحوله إلى ساحة للتنافس الإقليمي، بينما ستراقب إيران تطور الاتفاق ومدى تحوله من التزام سياسي إلى قدرة دفاعية مؤسسية، رغم التأكيد التركي أنه ليس موجّهًا ضدها. وستعيد إسرائيل، بدورها، تقييم انعكاسات أي توسع محتمل لهذا الإطار على توازنات الردع والتعاون الأمني في المنطقة.
وبالتالي، فإن السؤال الأهم ليس: من سينضم إلى اتفاق مكة؟ وإنما: هل تتجه المنطقة إلى بناء شبكة أمنية متعددة المراكز؟
وهذا الاحتمال يبدو أكثر واقعية من قيام حلف إقليمي واحد مغلق، إذ إن قوة أي اتفاق دفاعي لا تُقاس عند لحظة التوقيع، وإنما عندما ينتقل من النص السياسي إلى القدرة المؤسسية والعملياتية. وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي لاتفاق مكة. فالاعتداء على دولة عضو قد يأتي في المستقبل من دولة، أو من فاعل من غير الدول، أو عبر هجوم بالمسيّرات أو الصواريخ، أو عملية سيبرانية، أو استهداف للبنية التحتية الحيوية. وبالتالي، فإن السؤال الذي سيحدد قيمة الاتفاق هو: ما الذي سيُعتبر اعتداءً مشتركًا، وكيف ستتم الاستجابة له؟
وقد ازدادت أهمية هذا السؤال مع الهجوم الذي أعلنت جماعة الحوثي مسؤوليتها عنه ضد منشأة تابعة لأرامكو في جازان في 9 آب 2026، أي بعد يومين من توقيع الاتفاق. ولا يعني ذلك أن الهجوم كان اختبارًا مباشرًا للاتفاق أو نتيجةً له، إلا أن توقيته يوضح طبيعة البيئة الأمنية التي ستعمل فيها أي ترتيبات دفاعية جديدة، والتي تتسم بتهديدات غير متماثلة، وفاعلين من غير الدول، واستخدام المسيّرات، واستهداف منشآت الطاقة، وامتداد التهديد من المجال العسكري إلى المجال الاقتصادي.
وهذا يعني أن مستقبل اتفاق مكة سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرته على تطوير آليات للإنذار المبكر، وتبادل المعلومات، والتخطيط المشترك، وتقييم التهديدات، وتحديد عتبات الاستجابة. فالاتفاق الذي يمتلك نصًا قويًا دون آليات تنفيذية يظل رسالة سياسية؛ أما الاتفاق الذي يحول الالتزام السياسي إلى قدرة قابلة للتشغيل، فيصبح عنصرًا فعليًا في معادلة الردع.
وفي خضم هذه التحولات، لا ينبغي أن يكون السؤال الأردني الأول: هل ينضم الأردن إلى اتفاق مكة؟ فلا توجد، في المعطيات المتاحة حتى الآن، مؤشرات رسمية تجعل انضمام الأردن مسارًا قائمًا يمكن البناء عليه. والسؤال الأكثر أهمية هو: كيف يستطيع الأردن التعامل مع بيئة إقليمية تتعدد فيها التحالفات، دون أن يفقد استقلال قراره أو يضيّق خياراته الاستراتيجية؟
وهنا تحديدًا تكمن قيمة المرونة الاستراتيجية، فهي لا تعني الحياد السلبي، ولا تعني الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وإنما تعني امتلاك القدرة على اختيار الشراكة المناسبة، في الوقت المناسب، وللمصلحة الوطنية المناسبة، دون أن تتحول الدولة إلى جزء من استقطاب يتجاوز مصالحها العليا. والأردن يمتلك في هذا المجال رصيدًا مهمًا؛ فهو يرتبط بعلاقات متعددة مع دول عربية وإقليمية ودولية، ويمتلك خبرة عسكرية وأمنية ودبلوماسية تؤهله للعمل مع شركاء مختلفين، كما أن موقعه الجغرافي يمنحه أهمية خاصة في أي ترتيبات إقليمية تهدف إلى مواجهة التهديدات العابرة للحدود.
ومن ثم، فإن قوة الأردن ليست في أن يكون عضوًا في كل ترتيب جديد، وإنما في قدرته على التفاعل مع أكثر من ترتيب دون أن يفقد استقلالية قراره. لكن المرونة الاستراتيجية لا يمكن أن تعتمد على السياسة الخارجية وحدها، فكلما أصبح الإقليم أكثر اضطرابًا وتعددًا في مصادر التهديد، أصبح من الضروري أن تتحول المرونة الوطنية إلى قدرة مؤسسية داخل الدولة. وهنا نحتاج إلى الانتقال من مفهوم إدارة الأزمة إلى مفهوم الجاهزية الوطنية الشاملة، فالقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، والأجهزة الأمنية، تؤدي أدوارًا محورية في حماية الدولة وسيادتها، وتمتلك عقيدة راسخة وخططًا وأدوارًا في حالتي السلم والحرب. لكن طبيعة التهديدات الحديثة تعني أن الجاهزية لا يمكن أن تكون مسؤولية المؤسسة العسكرية والأمنية وحدها.
ففي أزمة إقليمية واسعة، قد تتعرض الدولة في الوقت نفسه لضغوط أمنية واقتصادية ومعلوماتية وإنسانية ولوجستية. وقد تتأثر الطاقة والمياه والغذاء وسلاسل الإمداد والنقل والاتصالات والخدمات العامة. وقد تصبح البيئة المعلوماتية نفسها ساحة للصراع من خلال التضليل والشائعات ومحاولات التأثير في الرأي العام وتقويض الثقة بالمؤسسات. ولهذا، ينبغي أن تمتلك كل وزارة ومؤسسة وطنية دورًا واضحًا وخطة تشغيلية محددة في حالات الطوارئ والأزمات والحرب، وأن تعرف مسبقًا مسؤولياتها، وآليات التنسيق مع غيرها، وكيفية استمرار خدماتها الأساسية تحت الضغط. فالدولة لا تُختبر في الأزمة بقدرة مؤسسة واحدة، وإنما بقدرة مؤسساتها كلها على العمل كمنظومة واحدة. وتشمل الجاهزية الوطنية الشاملة، في هذا السياق:
- استمرارية عمل مؤسسات الدولة؛
- حماية البنية التحتية الحيوية؛
- أمن الطاقة والمياه والغذاء؛
- المرونة الاقتصادية والمالية؛
- أمن سلاسل الإمداد؛
- الأمن السيبراني؛
- حماية البيئة المعلوماتية؛
- الاتصال الحكومي وإدارة المعلومات في الأزمات؛
- الجاهزية الصحية واللوجستية؛
- ورفع قدرة المجتمع على الصمود أمام الضغوط.
وهذا ليس ترفًا مؤسسيًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة الصراعات الحديثة.
ومن أكثر التحولات أهمية أن البيئة المعلوماتية أصبحت جزءًا مباشرًا من الأمن الوطني. ففي الأزمات الحديثة، يمكن أن تبدأ الضغوط قبل أي عمل عسكري من خلال رواية مضللة، أو شائعة تستهدف مؤسسات الدولة، أو حملة منظمة لزعزعة الثقة، أو تضخيم مخاوف اقتصادية واجتماعية، أو نشر معلومات كاذبة حول الخدمات والموارد. ولهذا، فإن الاتصال الحكومي المهني والشفاف لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره وظيفة إعلامية فقط، بل باعتباره جزءًا من منظومة المرونة الوطنية. فالدولة التي تتواصل بوضوح، وتوفر المعلومات في الوقت المناسب، وتعترف بما تعرفه وما لا تعرفه، وتمنع الفراغ المعلوماتي، تكون أكثر قدرة على الحفاظ على ثقة مواطنيها في أوقات الأزمات. ومن هنا، فإن حماية البيئة المعلوماتية وتعزيز الوعي المجتمعي والقدرة على مقاومة التضليل يجب أن تصبح جزءًا من مفهوم الأمن الوطني الحديث، إلى جانب الأمن العسكري والسيبراني والاقتصادي.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الدول الصغيرة والمتوسطة في بيئة إقليمية شديدة الاستقطاب هو أن تتعامل مع كل تحول باعتباره اختبارًا للانضمام إلى محور جديد. أما الخيار الأكثر استدامة فهو بناء قدرة وطنية تمنح الدولة حرية الاختيار. وهذا يعني للأردن المحافظة على شبكة علاقاته الواسعة، وتعزيز التعاون مع الأشقاء والأصدقاء في المجالات التي تخدم مصالحه، وتطوير قدراته الدفاعية والأمنية، والاستثمار في الأمن السيبراني والاقتصادي والمعلوماتي، وتعزيز مرونة الاقتصاد، ورفع جاهزية مؤسسات الدولة للعمل في مختلف السيناريوهات. كما يعني أن تكون الدبلوماسية الأردنية قادرة على التحرك بين مراكز القوة، وأن تكون المؤسسة العسكرية والأمنية قادرة على التعامل مع مختلف مصادر التهديد، وأن تكون المؤسسات المدنية قادرة على الاستمرار في أداء وظائفها تحت الضغط. بهذا المعنى، تصبح المرونة الاستراتيجية نتيجة مباشرة للقوة الوطنية الشاملة، وليست بديلًا عنها.
إن التحولات الجارية في الشرق الأوسط لا تعني بالضرورة أن المنطقة تتجه إلى حرب إقليمية شاملة، لكنها تعني بوضوح أن قواعد الأمن الإقليمي تتغير، وأن أنماط التحالف والشراكة وإدارة المخاطر آخذة في التحول.
واتفاق مكة أحد المؤشرات المهمة على هذا التحول؛ ليس لأنه يمثل حلفًا مكتمل الأركان، وإنما لأنه يكشف عن اتجاه متزايد نحو تنويع الشراكات الأمنية، وتقاسم المخاطر، وبناء قدرات الردع، والبحث عن ترتيبات أكثر مرونة في بيئة لم تعد فيها التهديدات تقليدية أو محدودة المصدر. وبالنسبة إلى الأردن، فإن الاستجابة الأكثر عقلانية ليست انتظار اكتمال هذه الترتيبات، وإنما الاستعداد منذ الآن للعمل داخل بيئة إقليمية أكثر تعددًا وتعقيدًا؛ بالحفاظ على استقلال القرار الوطني، وتعزيز القدرات الدفاعية والأمنية، ورفع جاهزية المؤسسات المدنية، وبناء اقتصاد أكثر مرونة، وحماية البنية التحتية الحيوية، وتأمين الفضاءين السيبراني والمعلوماتي، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع. فالأردن لا يحتاج إلى أن يكون جزءًا من كل تحالف حتى يكون آمنًا؛ لكنه يحتاج إلى أن يكون قادرًا على التعامل مع مختلف التحالفات والتفاعلات الإقليمية، بما يحمي مصالحه ويصون خياراته الوطنية.
وهنا تتجلى قيمة المرونة الاستراتيجية بأن تمتلك الدولة القدرة على الحركة دون فقدان الاتجاه، وعلى بناء الشراكات دون فقدان الاستقلال، وعلى مواجهة التهديدات دون الانجرار إلى صراعات لا تخدم مصالحها العليا.
وفي النهاية، فإن الأمن الوطني الأردني في المرحلة المقبلة لن يُحسم على الحدود وحدها، ولن تحدده التحالفات وحدها، وإنما ستحدده قدرة الدولة على الاستشراف، والجاهزية، والمرونة، والتكامل المؤسسي، والثقة المجتمعية، واستقلال القرار.
فالدولة الأقوى في بيئة إقليمية متغيرة ليست بالضرورة الدولة التي تنتمي إلى أكبر عدد من التحالفات، وإنما الدولة التي تمتلك من القوة والمرونة ما يمكّنها من اختيار شراكاتها، وحماية مصالحها، وإدارة أزماتها، والحفاظ على استمرارية مؤسساتها، دون أن تفقد قدرتها على اتخاذ قرارها الوطني باستقلالية.
وهذه، في تقديري، هي المعادلة التي يحتاجها الأردن في المرحلة المقبلة: قوة وطنية قادرة، وجاهزية شاملة، وشراكات متعددة، ومرونة استراتيجية، وقرار وطني مستقل.










