جماليات التلاشي في ديوان «كزهر اللوز أو أبعد»
.. أو أبعد
جماليات التلاشي في ديوان «كزهر اللوز أو أبعد»
للشاعر محمود درويش
-دراسة سيميائية تحليلية-
د. مهى عبد القادر المبيضين
عن دار فضاءات للنشر والتوزيع
تخوض الباحثة والناقدة د. مهى المبيضين في كتابها المعنون "... أو أبعد؛ جماليات التلاشي في ديوان كزهر اللوز أو أبعد"، في التجربة الشعرية للشاعر محمود درويش من منظور تطبيقي على ديوانه "كزهر اللوز أو أبعد"؛ استناداً إلى مفاهيم السيميائية بوصفها علمًا يدرس العلامات وأنساقها الدلالية؛ للكشف عن تجليات هذه المفاهيم داخل نصوص الديوان وعناوينها، فالسيميائية لا تظل إطارًا تجريديًا، بل تتحوّل في تجربة درويش إلى أداة إجرائية لفهم كيفية تشكّل المعنى عبر مستويات متعددة من التعبير.
وتتجه الباحثة المبيضين في كتابها الصادر عن "دار فضاءات" في الأردن (2026)، إلى تتبّع الدلالات والعلامات والرموز التي يبني بها الشاعر عالمه الشعري، من خلال استكشاف وتحليل سيميائية العتبات النصية -من عناوين وإهداءات وبدايات- بوصفها مداخل تأويلية تسهم في توجيه قراءة النص، وتشير إلى التـرابط بين الإطار النظري والتطبيق، مع الوقوف على حضور الأسطورة والرمز والشخصيات التاريخية بوصفها مخزونًا دلاليًا يعمّق البعد الإنساني والتاريخي للنص، وتختار المؤلفة المنهج التحليلي السيميائي لأنه يمنح النص الشعري فرصة للقراءة من الداخل، بعيداً عن الاكتفاء بإطلاق الأحكام الخارجية عليه، فالسيميائية لا تنظر إلى الشعر بوصفه مجموعة ألفاظ فقط، وإنما تبحث في طريقة تشكل المعنى، ودور المفردة والصورة والإيقاع والبناء الفني في إنتاج الدلالة.
تبدأ المؤلفة المبيضين كتابها الصادر في (309 صفحات من القطع المتوسط) بمدخل عن السيميائية والرؤية التطبيقية للدراسة، ثم تنتقل إلى شرح سيميائية العنوان والعتبات النصية، واللون، والصورة، والرمز والأسطورة، والتشكيل البصري، وعناصر الفن السبعة، في شعر محمود درويش، ثم تعرض الباحثة أسباب اختيار الديوان موضوع الدراسة؛ إذ يشكل مدخلاً إلى مرحلة مهمة من مراحل تجربته الشعرية، بدأت بالتشكل في العقد الأخيـر من عمره، فقد طرأت على شعر درويش تحولات وتغيـرات على مختلف الأصعدة: اللغة والأسلوب، الصورة والتشكيل، البنية والبناء، الإيقاع والعمق.
وفي الحيز التطبيقي من الدراسة تتناول الباحثة المبيضين ما سبق الحديث عنه من خلال إسقاطه على ديوان "كزهر اللوز أو أبعد" الذي قسمته بحسب العناوين الواردة فيه إلى قسمين رئيسيين يضم كل منهما أربعة عناوين فرعية مستوحاة من عناوين قصائد الديوان، ثم أفردت قسماً خاصّاً للتشكيل البصري في الديوان درست فيه التشكيل البصري بتقسيم الصفحة، والسطر الشعري، والرسم الهندسي، وعلامات الترقيم، وعلامات الوقف، وعلامات الحصر ومنها: "العارضة والمزدوجتان والهلالان والقوسان المركنان".
وتخلص الباحثة المبيضين في خاتمة كتابها إلى أنَّ درويش جرّب في أعماله الأخيرة، أشكالاً جديدة من الكتابة، عكست تطور تجربته على المستوى الشخصي، وحملت بين ثناياها تأريخاً للمرحلة الجديدة من القضية الفلسطينية التي حرص على الدوام أن تكون محور إبداعه، كما كشفت الدراسة عن شغف درويش بالألوان، مع الإشارة إلى تغير الدلالات اللونية في قصائده باختلاف المراحل التي مرت بها تجربته الشعرية، كما عرفت قصائد درويش في هذا الديوان تحوّلات جذرية بانتقاله من قصيدة/ التعبير إلى قصيدة/ الرؤيا، مواصلاً التنويع في النصوص الغائبة ضمن قصائده بين الأشعار القديمة، والخطاب الديني، والملاحم التاريخية والأساطير.
ويشكل هذا الكتاب إضافة نوعية ومميزة تسهم في إثراء المشهد النقدي والأكاديمي، ففي ضوء ما تكشفه المقاربة السيميائية لديوان كزهر اللوز أو أبعد، يمكن القول إنَّ الصورة الشعرية الحديثة قد شهدت تحوّلاً جذرياً أعاد تشكيل وظيفتها داخل النص؛ إذ لم تعد عنصراً زخرفياً أو وسيلة تعبير تقليدية، بل أصبحت بنية تأسيسية يتولد منها المعنى وتتأسس عليها التجربة الشعرية ذاتها. في هذا السياق، تغدو الصورة عند درويش كياناً ديناميّاً مندمجاً في صميم البناء النصي، ينهض بوظيفة إنتاج الدلالة بدل نقلها، ويجعل من القصيدة فضاءً مفتوحاً لتكثيف الرؤية لا مجرد تمثيلها.













